وقال الغزالي في الإحياء في فصل الذكر والتذكير وهو يتكلم عن الشطح عند الصوفية:
وأما الطاعات فيدخلها ما ذكرناه من الشطح, وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة, فهذا أيضًا حرام وضرره عظيم. ومن أمثلة تأويل هذه الطامات:
قول بعضهم في تأويل قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} {طه:24} إنه إشارة إلى قلبه, وقال هو المراد بفرعون, وهو الطاغي على كل إنسان.
وفي قوله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} {القصص:31} أي: كل ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله عز وجل فينبغي أن يلقيه.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم:"تسحّروا فإن في السحور بركة [1] "فسّروا السحور بأنه الاستغفار في الأسحار, وأمثال ذلك حتى ليحرفون القرآن من أوله إلى آخره عن ظاهره, وعن تفسيره المنقول عن ابن عباس وسائر العلماء, وبعض هذه التأويلات يعلم بطلانها قطعًا, كتنزيل فرعون على القلب, فإن فرعون شخص محسوس تواتر إلينا النقل بوجوده, وبعضها يُعلم بطلانه بغالب الظن, وكل ذلك حرام وضلالة, وإفسادٌ للدين على الخلق. ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات, مع علمه بأنها غير مرادة بالألفاظ, يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع-أي الكذب- على رسول الله صلى الله عليه وسلم, كمن يضع في كل مسألة يراها حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فذلك ظلمٌ وضلال, ودخول في الوعيد"من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" [2] بل الشر في تأويل هذه الألفاظ أطم وأعظم, لأنه مبطلٌ للثقة بالألفاظ, وقاطعٌ طريق الاستفادة والفهم من القرآن بالكلية. أهـ [3]
وقد ذكر الخوئي في تفسيره: (تأويل آية السجود بالكشف) قال الحسن بن منصور:"لما قيل لإبليس: اسجد لآدم، خاطب الحق فقال: ارفع شرف السجود عن سري إلا لك في السجود حتى أسجد له، إن كنت أمرتني فقد نهيتني، فقال له: فإني أعذبك عذاب الأبد، فقال: أو لست تراني في عذابك لي؟ فقال: بلى، فقال: فرؤيتك لي تحملني على رؤية العذاب,"
(1) - البخاري (1823) ومسلم (1095) والنسائي (2146) وأحمد (11968) وغيرهم.
(2) - حديث متواتر: رواه البخاري (110) ومسلم (3) والترمذي (2659) وأحمد (9305) وغيرهم.
(3) - ذكره الصابوني في التبيان في علوم القرآن ص:199 - 200