الصفحة 83 من 439

الثالث: ما نُسِخ حكمه وبقيت تلاوته.

وهذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلفة، وهو على الحقيقة قليلٌ جدًا، وإنْ أَكثر الناسُ من ذكر الآيات فيه.

وقد تتبع الإمام ابن جرير الطبري الآيات التي يمكن أن يقال إنها منسوخة فوجهها توجيهًا سديدًا، وبقي عنده قرابة إحدى عشرة آية فقط هي منسوخة الحكم قطعًا لتغير الحكم اللاحق عن السابق بنصٍ من القرآن الكريم، أو السنة الصحيحة، وهي معروفة عند أهل الاختصاص في علوم القرآن.

قال السيوطي: إن الذي أَورده المكثرون أَقسام:

قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص، ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه. وذلك مثل قوله تعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة، الآية: 3] . {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم} [البقرة، الآية: 254] . ونحو ذلك.

(1) - قال الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان (2/ 447) : لا يصح نسخ حكم شرعي إلا بوحي من كتاب أو سنة. لأن الله جلَّ وعلا يقول: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] - وبه تعلم أن النسخ بمجرد العقل ممنوع، وكذلك لا نسخ بالإجماع. لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم: لأنه ما دام حيًا فالعبرة بقوله وفعله وتقريره صلى الله عليه وسلم، ولا حجة معه في قول الأمة، لأن اتِّباعه فرض على كل أحد ولذا لا بد في تعريف الإجماع من التقييد بكونه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كما قال صاحب المراقي في تعريف الإجماع:

وهو الاتفاق من مجتهدي ... الأمة من بعد وفاة أحمد

وبعد وفاته ينقطع النسخ. لأنه تشريع، ولا تشريع البتة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وإلى كون العقل والإجماع لا يصح النسخ بمجردهما - أشار في مراقي السعود أيضًا بقوله في النسخ:

فلم يكن بالعقل أو مجرد ... الإجماع بل ينمى إلى المستند

وقوله «بل ينمى إلى المستند» يعني أنه إذا وجد في كلام العلماء أن نصًا منسوخٌ بالإجماع، فإنهم إنما يعنون أنه منسوخ بالنص الذي هو مستند الإجماع، لا بنفس الإجماع. لما ذكرنا من منع النسخ به شرعًا. وكذلك لا يجوز نسخ الوحي بالقياس على التحقيق. أهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت