فكم من الأحاديث والآثار ليس لها إلا طريق واحد ولكنها صحيحة لأنها استوفت شروط الصحة المعروفة عند المُحَدِّثين, وكم من حديثٍ تعددت طرقه ولا قيمة لها لأن جميع طرقه لا تخلو من كذاب أو متهم بكذب, بل من المعلوم عند المحدثين أن الحديث الذي كثرت طرقه ولكن لا تخلو من كذاب أو متهم, فإن كثرة الطرق لا تقويه بل تزيده ضعفًا على ضعفه لتوارد الكذابين عليه. بخلاف الحديث الذي ليس في طرقه وضاع أومتهم بكذب فهذا قد يتقوى بكثرة الطرق.
هل فسّر الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن كله؟
إن الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن الكثير من معانى القرآن لأصحابه، كما تشهد بذلك كتب الصحاح، ولم يُبيِّن كل معانى القرآن، لأن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعُذر أحد في جهالته كما صرّح بذلك ابن عباس فيما رواه عنه ابن جرير، قال:"التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله" [1] .
وبدهى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفسِّر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسِّر لهم ما تتبادر الأفهام إلى معرفته وهو الذى لا يُعزر أحد بجهله، لأنه لا يخفى على أحد، ولم يفسِّر لهم ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وحقيقة الروح، وغير ذلك من كل ما يجرى مجرى الغيوب التى لم يُطلع الله عليها نبيه، وإنما فسَّر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض المغيبات التى أخفاها الله عنهم وأطلعه عليها وأمره ببيانها لهم، وفسَّر لهم أيضًا كثيرًا مما يندرج تحت القسم الثالث، وهو ما يعلمه العلماء يرجع إلى اجتهادهم، كبيان المجمل، وتخصيص العام، وتوضيح المشكل، وما إلى ذلك من كل ما خفى معناه والتبس المراد به [2] .
* الصحابة المفسرون:
(1) -تفسير الطبري (1/ 75)
(2) -الذهبي/ التفسير والمفسرون (1/ 42)