وقال ابن يحيى: رواه مالك وصالح بن كيسان ويونس ، عن الزهري ، عن أبي بكر مطلق ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهم أولى بالحديث يعني عن طريق الزهري .
قلت: يريد ابن الجارود في نقله عن شيخه محمد بن يحيى ترجيح المرسل على الموصول ؛ لأن من ذكرهم من الرواة إنما رووه عن الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا ، و هم أكثر عددًا و أولى من طريق موسى بن عقبة عن الزهري في روايته للحديث عن أبي بكر بن عبدالرحمن عن أبي هريرة مرفوعًا ، و هذا من قرائن ترجيح تعارض الرفع و الإرسال .
ولقد قال أبو داود في سننه بعد أن ساق الحديث من طريق مالك عن ابن شهاب مرسلًا:
"حديث مالك أصح" [1] . أي من حديث محمد بن عوف في روايته للحديث مرفوعًا .
كما أعل الحديث الإمام الشافعي ، بينما رد على ذلك ابن القيم و صحح الحديث مرفوعًا [2] .
? ومن عنايته بالإفادة عن شيخه في ذلك حديث ضباعة بنت الزبير رضي الله عنها في الاشتراط في الحج برقم 420 ، إذ رواه عن شيخه محمد بن يحيى ثم قال المؤلف عقب الحديث:
"حدثنا الحسن بن أحمد بن سليمان ، قال: قال محمد بن يحيى: حديث عبد الرزاق عندنا محفوظ في قصة ضباعة بنت الزبير رضي الله عنها محتج به لمن أراد الشرط في الحج".
قلت: وفي هذا النص أيضًا أنموذج من النماذج الدالة على عظمة الإمام ابن الجارود ودقته ، إذ مع كونه يروي عن شيخه محمد بن يحيى أزيد من ثلث أحاديث المنتقى ، ومع ذلك لما وجد هذه الفائدة أن حديث عبد الرزاق محفوظ عن شيخه أسندها عنه بالواسطة من طريق شيخه الحسن بن أحمد بن سليمان ، فلله دره و در علمائنا فما أنصفهم و ما أورعهم .
(1) أبواب الإجارة ، باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده حديث رقم 3520 . و هو في الموطأ: كناب البيوع ، باب ما جاء في إفلاس الغريم ، رقم 1374 .
(2) تهذيب السنن ج5 / من 175.