الصفحة 32 من 54

-وفي موضع آخر وأمام آيات قرآنية تتحدّث عن مرجعية الحكم لله وحده لا شريك له؛ نرى جولدزيهر يستشعر بأنّ القرآن قد بالغ في نسبة الحُكم لله حتى جعل منه - على حدّ تعبيره - (( حاكمًا غير محدود الإرادة:(لا يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ) والناس جميعًا لا إرادة لهم بين يديه .. )) [1] ، ولا شك في أنّ المستشرق أمام هذه الآيات يستعيد بذاكرته موقف أجداده الذين دأبوا على الاعتراض على حُكم الله وقدرته المطلقة أمام أنبيائه الكرام، حتى أدّى بهم الأمر إلى قتل الأنبياء [2] وتحريف كتبهم المقدسة بما يتفق وتصوّرهم للإله وهو في ضعف كبير من الإرادة والعلم ولا يملك القدرة على الحُكم مستقلًا عن إرادة البشر [3] ، فكان من الطبيعي أن يعترض المستشرق على عقيدة قرآنية متأثرًا بعقيدة توراتية، وفي ذلك إسقاط لمفهوم يهودي متأصّل يشرح

(1) العقيدة والشريعة، ص 88.

(2) وقد أورد القرآن الكريم بعضًا من هذه المواقف اليهودية، فقال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] .

(3) نضرب مثلا لهذه التصورات الواردة في كتب اليهود المقدسة بما جاء في (العهد القديم) في سفر التكوين، حيث جاء فيه ذكر آدم عليه السلام وقد أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها: (وسَمِعَ آدمُ واَمرأتُه صوتَ الرّبِّ الإلهِ وهوَ يتمشَّى في الجنَّةِ عِندَ المساءِ فاَختبئَا مِنْ وَجهِ الرّبِّ الإِلهِ بَينَ شجرِ الجنَّةِ * فنادَى الرّبُّ الإلهُ آدمَ وقالَ لَه:(( أينَ أنتَ؟ ) )* فأجابَ: سَمِعتُ صوتَكَ في الجنَّةِ، فَخفتُ ولأنِّي عُريانٌ اَختَبأتُ )) * فقالَ الرّبُّ الإلهُ: (( مَنْ عَرَّفَكَ أنَّكَ عُريانٌ؟ هل أكلتَ مِنَ الشَّجرَةِ التي أوصَيتُكَ أنْ لا تأكُلَ مِنها؟ ) )، ... وقالَ الرّبُّ الإلهُ: (( صارَ آدمُ كواحدٍ مِنَّا يعرِفُ الخيرَ والشَّرَ والآنَ لعلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ إلى شجرةِ الحياةِ أيضًا فيأخذَ مِنها ويأكُلَ فيحيا إلى الأبدِ ) )* فطَرَدَ آدمَ وأقامَ الكروبِيمَ شَرقيَ جنَّةِ عَدْنٍ، وسَيفًا مُشتَعِلًا مُتَقَلِّبًا لِحِراسةِ الطَّريقِ إلى شجرةِ الحياةِ)، فانظر كيف صور محرفو التوراة الربَّ سبحانه وتعالى مسلوب العلم والقدرة، لا يقدر على منع مخلوق من الشجرة ولا يعلم أكله منها، ثم يخاف منه أن لا يمدّ يديه إلى شجرة الحياة .. سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت