الصفحة 34 من 54

ومن المعلوم أن كلمة (الأُمِّيّ) تعني الشخص الذي لا يقرأ ولا يكتب [1] ، وهذا المعنى لم يكن خافيًا على المستشرقين الذين لا بُدّ أنهم مرّوا على قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78] ، كما أنّهم كانوا على علمٍ بأُمّية الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] ، غير أنهم تعمّدوا ترجمة كلمة (الأُمِّيّ) بنبي الوثنية أو نبي الكفرة [2] ، مع ما في هذه الترجمة من مخالفة لغوية بجعل الصفة مضافًا إليه [3] .

ومهما كانت دوافع المستشرقين إلى هذه الترجمة؛ فإنّ الذي يعنينا في هذا المقام هو أنّ هؤلاء المستشرقين أسقطوا من خلال هذه الترجمة مفهومًا عقديًا يهوديًا أو نصرانيًا على كلمة (الأُمِّيّ) ، حيث إنّ اليهود دأبوا على إطلاق كلمة (غويم) goim على غير اليهود من الأمم الأخرى، وهذه الكلمة هي التي كانوا يعبّرون عنها في الجزيرة العربية بكلمة (الأُمِّيين) وهي التي ذكرها القرآن الكريم

(1) قال ابن منظور نقلا عن الزجاج: الأمي الذي على خِلقة الأمة لم يتعلم الكتاب، ونقل عن أبي إسحاق قوله: الأمي المنسوب إلى ما عليه جَبَلتْهُ أُمُّه أي لا يكتب. لسان العرب، بيروت: دار صادر، بدون طبعة، بدون تاريخ، 12/ 34.

(2) وقد فصّل محمد الزفزاف في مسألة إثبات أمية الرسول صلى الله عليه وسلم بأدلة عقلية فليرجع إليها: التعريف بالقرآن والحديث، (غير مذكور الناشر) ، ص 141 - 142.

(3) بمعنى أنه لو كانت الآية هكذا (نبي الأميين) لما كان في الترجمة مخالفة نحوية، ولكنّ الآية فيها {النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} فالأمي فيها صفة للنبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت