في قضايا العقيدة، فضلوا وأضلوا، ويشبه هؤلاء في الانحراف قوم غرَّتْهم فلسفةُ اليونان وخيالاتهم النظرية، تحدثوا في أصول الإيمان فزادوا الطين بلة، ولا عاصم من هذه المزالق كلها إلا التزام المنهج القرآني والسير في معالمه" [1] ."
وهذا الاستقاء ـ في تقدير الشيخ ـ لا يخلو من فوائد تعود على المؤمن؛ فحديث القرآن الكريم عن الله يمزج بين أمرين:
الأول: فقر العالم إلى الله وقيامه به واستمداده الوجود منه، أي أنه من المستحيل أن يتخلق من غير الخالق، أو ينتظم من غير منظم.
والثاني: أن هذا الخالق المدبر واحد لا شريك له، ليس له ند أو ضد، كل شيء هالك إلا وجهه! كل شيء من إنس أو جن أو ملك أو عبد قنٌّ له وحده، يستوي في هذه العبودية حيوان مُسْتَخْفٍ تحت التراب، أو مَلَك ساجد تحت العرش [2] .
وفي فائدة ثالثة يشير الشيخ إلى أن شرح حقيقة التوحيد في الأسلوب القرآني يمحو آثار الإلحاد، وينفي شبهات الملحدين، وبذلك تتعانق أدلة الوجود الأعلى وأدلة التوحيد المطلق في نسق فذ [3] .
فالحديث عن الله ـ تباركت أسماؤه ـ يتخذ في القرآن أسلوبا قريبا من الفطرة، سريعا إلى العقل، بعيدا عن الغموض والتعقيد، مفعما بالوضوح والإشراق [4] .
وكما قدم الشيخ مثالا تطبيقيا في المعلم السابق، فإنه في هذا المعلم تجاوز الكلام النظري كذلك إلى ضرب مثال فريد قلَّ أن تجده عند من تناولوا العقيدة في العصر الحديث.
(1) المحاور الخمسة للقرآن الكريم: 13.
(2) السابق: 22، وقال الخليل بن أحمد: القِنُّ: العبد المتعبد، ويجمع على الأقنانِ، وقال ابن عباد: القِنُّ: العَبد الذي مُلِكَ هو وأبَواه، والجميع الأقْنانُ والأقِنَّةُ. انظر العين: القاف مع النون، والمحيط في اللغة: القاف والنون.
(3) مائة سؤال عن الإسلام: 150، وانظر تفصيل هذه الفكرة في الصفحات بعدها.
(4) نظرات في القرآن: 62. دار نهضة مصر. ط. سادسة. 2005م.