وقد قرأت كتاب الشيخ عن"عقيدة المسلم"فلا أكاد أفتح صفحة إلا أجد فيها نصا من آية أو حديث يعبر تعبيرا صادقا عن المعنى الذي يتناوله، أو الشبهة التي يدحضها، أو الأثر الذي يريد بثه في النفس، يقول في ذلك:"ولا يستكثرن القارئ إيراد الشواهد منها ـ يعني من الآيات والأحاديث ـ فإن لذلك حكمة مقصودة تعرف بعد مطالعتها في سياقها" [1] .
ولا يخفى ما عند الشيخ من قدرة على إيراد الشاهد إيرادا بديعا وفي صميم المعنى الذي يتناوله، وهو فن لا يحسنه كثير من الكتاب.
رابعا: الجمع بين إقناع العقل وإمتاع القلب
وهو منهج إسلامي صميم، فالإسلام في شعائره وشرائعه، وعقيدته وعباداته، وأخلاقه وآدابه يستثير العاطفة والفكر، ويوقظ الانفعالات النفسية مع إيقاظه للقوى الذهنية، وإذا كان تناول العقلانيين منصبا ومهتما بالجانب العقلي فقط بما تدل عليه مصطلحات المناظرة والمجادلة والحجاج، واقتصر تناول الصوفية على مخاطبة القلب فقط، فإن الشيخ محمد الغزالي قد وقف موقفا وسطا جمع فيه بين إقناع العقل وإمتاع القلب.
يقول الشيخ ـ يرحمه الله ـ ناعيا على الأسلوب الذي تناولت به كتب الكلاميات هذا العلم:"وقد كنت أرقب عن كثب ما تخلفه دروسُ التوحيد من كتبه المقررة، فما كنت أجد فارقا يذكر لدى السامعين بينها وبين شروح المعادلات الجبرية مثلا، كلاهما ترويض للعقل مبتوت الصلة بالفؤاد، فكان الطالب يذكر طائفة من الأدلة على الوجود الدائم"لواجب الوجود"، ولا يستشعر في قرارة نفسه عظمة الخالق المتعال، أو يختلج في بدنه عِرْق من الرغبة أو الرهبة نحوَ مَن سوّاه، وألهمه فجوره وتقواه، أفهكذا تُدرس العقيدة؟!".
(1) عقيدة المسلم: 8.