الصفحة 18 من 36

التلاقي على الحق، ويكادون يجمعون اليوم إجماعا بلسان أكابرهم على أن هذه القوانين والنواميس التي نشأت على أساسها الحياة ـ وتطورت تنطوي على وحدة في القصد والإرادة والعناية والحكمة ـ يستحيل معها على العقل السليم المفكر أن يؤمن بأن هذه الحياة خلقت وتطورت بالمصادفة العمياء [1] .

ويجمع الشيخ الغزالي هنا ـ كما هو واضح ـ بين الإفادة من نتائج البحث العلمي والتأمل وإعادة النظر والتفكر والاعتبار بما في الكون والآفاق من دلائل على وجود الله تعالى، ومع كثرة هذه الدلائل العلمية والكونية، فإن العالم لم يخل من منكرين يجحدون الحق ويكفرون بالله.

وتحت عنوان"القدرة"يقول الشيخ:"لا تحسبن شيئا في الكون قادرا بنفسه، فكما أن القدرة أبدعته أولا من عدم، فقد أودعت فيه من أسرارها، وبثت فيه من آثاراها ما يدل عليها، وبعض الجاحدين من علماء الطبيعة يردون ما يقع تحت أبصارهم من هذه الدلائل الباهرة إلى مجهول محض، أو قوى كامنة في المواد والعناصر المختلفة، وهذا تخريف شائن، وتسفيه للعقل، ومغالطة للواقع. إن النور المتولد عن انتشار الكهرباء في الأسلاك، والحركة الناشئة عن امتداد الأبخرة في المواسير، والحديد المرتفع في الجو نتيجة تغيير المراوح الدائرة لمقادير الضغط حول الطائرة ـ كل أولئك لا يرفع قدر عنصر من العناصر المخلوقة فيهب لها مرتبة الوجود المستقل، فضلا عن الإيجاد الرائع" [2] .

هذا كله يدل على ثقافة الشيخ العلمية التي لم يهملها رغم أنه لم يتلَقَّها في مراحل الدرس النظامي بالأزهر العتيق، كما يدل على حسن توظيفه لهذه الثقافة في الدلالة على الله تعالى، وهو مثال ما أحوج الدعاة والعلماء في عصرنا أن يحذوا حذوه، وهذا معلم نادر من معالم التجديد في علم التوحيد أبرزه الشيخ وجلاه، ووظفه في طول كلامه وعرضه توظيفا حسنا.

(1) عقيدة المسلم: 24.

(2) نفس المصدر: 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت