تمهيد
عاش الصحابة رضوان الله عليهم بعقيدة صافية كماء المزن لا يشوبها كدر، ولا يختلط بها غبش؛ لأنهم عايشوا التنزيل، وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أظهرهم، فتلقوا عقيدتهم من الوحي مباشرة قرآنا وسنة، وكانوا لا يسألون إلا عما ينفعهم، فإذا علموا ما كلفوا به راحوا يعملون به بعيدا عن الجدل الذي لا يثمر عملا.
وقبل انقضاء النصف الأول من القرن الأول الهجري خلَفَ خلْفٌ أدخلوا في العقيدة ما ليس منها، وطرحوا من الأسئلة والجدال والنقاش ما لا طائل تحته، بفعل وجود الفرق التي انبثقت من حادثة التحكيم الشهيرة، وبوجود طوائف من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، والانفتاح أو الاتصال بالثقافات الأخرى التي أدخلت بعد هذا بقليل عن طريق الترجمة مصطلحاتٍ جديدةً مستعارة من الفلسفة الطبيعية كالحركة وجسم والجوهر والعرض فضلا عما تسرب إلى العقل الإسلامي من أفكار أثناء الترجمة أحدثت اضطرابا وجدلا في باب العلم، ثم ظهرت مدارسُ في دراسة العقيدة على رأسها المعتزلة أثرت بشكل سلبي في دراسة العقيدة بما أدخلته من مصطلحات فلسفية ومنطقية جدلية، ثم تلا ذلك جمودٌ وتقليد وتقوقعٌ بدأ مع القرن السابع الهجري، وتطور خلال القرون التي تلتْه؛ حيث تمثل الجمود في الاكتفاء بشرح ما قاله السابقون واختصارِه دون إضافة تذكر إلى شكل العلم أو موضوعه فضلا عن منهجه ومضمونه.
حتى جاء القرن الثاني عشر الهجري ليشهد بدايةَ النهضةِ الكبيرة في هذا العلم، والتي أطلق شرارتَها الإمامُ المجدد محمدُ بن عبد الوهاب (1115 ـ 1206هـ) ، والتي تتابعت بعدها محاولاتُ التجديد والبعث والإحياء، حيث لاقتْ هذه الدعوةُ قبولا لدى كثير من المفكرين في البلاد العربية والإسلامية؛ مثل الشوكاني والقاسمي وولي الله الدهلوي والسنوسي، وما أملاه جمال الدين الأفغاني على تلامذته على"شرح الدواني على العقائد العضدية" [1] ، وما كتبه الإمام محمد عبده في"رسالة التوحيد"، وتلا
(1) منشورة ضمن الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني. جمع وتحقيق ودراسة د. محمد عمارة.