إذا اختلف القدامى: هل العمل ضرورة للإيمان أو كمال فيه؟ ترجح لدى العامة أنه كمالٌ فقط، فيستفيد المجتمع من هذا الخلاف تركَ العمل!
وإذا اختلف القدامى هل للإنسان قدرة وإرادة يَفعل بهما ويَترك؟ أو هو مقهور مكتوف اليدين؟ ترجح لدى العامة أن المرء لا عزم له ولا حول ولا طول، فيستفيد المجتمع من هذا الخلاف سقوطَ الهمة وخَوَرَ العزيمة!
وإذا تجادل القدامى: هل للمسلم حق الالتجاء إلى الله دون وساطة الصالحين من الأحياء أو المقبورين؟ ترجح لدى العامة أن المسلم لا يستغنى عن معونة الأولياء، وأنه إذا ذهب إلى ربه من دونهم فالويل له! فيستفيد المجتمع من هذا الخلاف شيوعَ الشرك وضعفَ الصلة برب الأرض والسماء!
وهكذا لصقت بالمجتمع الإسلامي مجموعةٌ من الخسائس لا شك في أنها بعيدة الأثر فيما لحقه من اضمحلال وهوان.
وفي مقام آخر يبين هذه الآثار فيقول:"واستحياء الخلاف القديم بين السلف والخلف في عصرنا هذا ليس إلا مضيا في تضليل المسلمين عن رسالتهم الكبرى، واستبقاء علل التخلف الخلقي والاجتماعي بينهم" [1] .
ويبين الشيخ الغزالي ما صار عليه في عرضه للعلم فيقول:"وقد بذلت جهدي ـ حين تصديتُ لتصوير عقيدة المسلم ـ أن أتجنب أشواك هذا الخلاف، فإذا استطعتُ طيَّهُ في السياق المطرد طويتُه وتجاهلته، وإذا اضطُّرِرْتُ إلى خوضه عالجته على كره، وذكرت ما استبان لي أنه صواب، وقد أستجْهل الطرف المقبل ولا أكفِّره؛ لأن الجهل الفاضح ـ كما ظهر لي ـ أساسُ كثير من المشكلات العلمية المبهمة، وربما لمحتُ في أخلاق بعض المجادلين عوجا، وفي أسلوبهم عنفا، فأوثر مغفرة هذا على مقابلة السيئة بمثلها؛ لأننا أمة فقيرة جدا إلى التجمع والائتلاف، فلندفع هذا من أعصابنا، والمرجع إلى الله" [2] .
(1) المحاور الخمسة للقرآن الكريم: 17. دار الشروق. ط ثانية. 1426هـ/2005م.
(2) راجع: عقيدة المسلم: 7 - 11، دار الدعوة بالإسكندرية. الطبعة الرابعة. بدون تاريخ، وهي الطبعة التي اعتمدنا عليها.