الصفحة 9 من 36

وفي سياق مناقشة الصفات وعرض أقوال من ذهبوا للتأويل الذي أوقعهم أحيانا في التجسيم أو التعطيل يقول الشيخ:"كنت أود لو كف المسلمون الأوائل عن خوض معارك الجدل في الموضوع، أو لو استبان بعضهم وجهة نظر الآخر بدقة".

ويفصح الشيخ في هذا السياق عن مذهبه في التأويل من عدمه فيقول:"وأنا شخصيا أُوثر مذهب السلف، وأرفض أن يشتغل العقل الإسلامي بالبحث المضني فيما وراء المادة، وأرتضي قبول الآيات والأحاديث التي تضمنت أوصافا لله ـ جل شأنه ـ دون تأويل" [1] .

على أننا ـ رغم ما أحدثه هذا الجدل من آثار سيئة ـ ينبغي ألا نقلل من شأن هذه الكلاميات والجدليات، فهي وإن كان لها أثرها وبعض امتدادها السيئ في علم الكلام وخطرها على عقيدة المسلم، فإنها تعبر عن عبقرية العقل المسلم في الاستدلال والحجاج والجدال والمناظرة، فيمكن أن نستفيد بها في هذا الجانب، وينبغي أن نُقيّمها في ضوء عصرها والظروف التي اكتنفتها حتى نكون موضوعيين ومنصفين.

وينبغي أيضا أن نفرق بين علم العقيدة الأخص وعلم الكلام الأعم، كما ينبغي أن نفرق في نظرتنا إلى تاريخ علم الكلام بين جهود أئمة متكلمي أهل السنة والجماعة من شيوخ الأشعرية والماتريدية من جهة، وجهود متكلمي الفرق والطوائف السنية والشيعية من جهة أخرى؛ فلا نزن الجميع في كفة ميزان واحدة.

ونحن لا ننتظر من المتكلم في حقيقة علمه ووظيفته أن يكون داعية ولا صوفيا؛ ولا أن تتوجه جهوده لخدمة العوام الذين برئت عقولهم من الشبه؛ فالكلام مهمته الإثبات العقلي ودرء الشبه ودفع الاعتراضات عن العقائد المنصوصة ثابتة النسبة إلى دين محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا عمل له مع المسلم المستكمل عرى الإيمان؛ فلماذا نجره جبرا لكي يكون داعية أو صوفيا؟ وهل يعيب الطبيب الذي

(1) نفس المصدر: 39، وتابع عرض هذه القضية في الصفحات: 40 - 44، وانظر مائة سؤال عن الإسلام: 296. دار نهضة مصر. القاهرة. الطبعة الرابعة. 2005م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت