فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 13

وعندما انتقلت الحضارة الإنسانية نَقْلَتَها الواسعة على أيدي المسلمين كانت قضية المنهج تحتل مكانتها العادية في العقل المسلم، ولم تشتغل الحضارة الإسلامية بإثارة جدال - غير ذي نفع - على قضية المنهج، ربما لأنها كانت حضارة عملية إذا جاز التعبير، فكانت لدى كل العلوم الإسلامية - أعني التي نشأت ونمت في حُجر الحضارة الإسلامية - مناهج واضحة المعالم، لكن لم يُجْلِب أحد من أساطين العلم في ذلك الحين، أو يحدث ضجيجا لأنه وصل إلى منهج أو طريقة بحث، بل كانت الأمور تمضي بشكل عادي، دون صخب أو طنين. [1]

حتى إذا ما بدأت أوربا نهضتها وشقت طريقها نحو العلم والتحضر، التفتت إلى أهمية رسم طريق واضحة لتحصيل المعرفة، فارتسمت لنهضتها فكرا يقوم على"معيارية المنهج"، أي جعل المنهج العلمي معيارا لقيمة البحث العلمي حتى أضحت هذه المعيارية روحا تسري في كل أوصال النهضة الأوروبية، وصوتا عاليا لم يَعْلُ عليه أي صوت آخر.

ومنذ أن فجر"ديكارت"قنبلة مقالته في المنهج، وارتسم"بيكون"منهجه التجريبي، تسارع خَطْوُ التقدم، وتسابق سَعْيُ التَّمَدُّن فما دخلت أوروبا قرنها الثامن عشر إلا والمنهج العلمي هو دستور كل معهد أو مدرسة تتبنى البحث العلمي.

وليس بِجَافٍ أثرُ هذه المنهجية في مستوى البحث العلمي لدى الغربيين، فالمنهجية أسبغت سربالا بَهِيَّا على أبحاث الغربيين بحيث صارت تختال بين أمم الشرق بحللها التي لم يعهدها الشرقيون بادي الرأي.

(1) - وقد ألف الكثير من الباحثين في بيان مناهج العلماء المسلمين وأصالتها وجدتها وعبقريتها، نخص بالذكر من بين الباحثين المسلمين علي سامي النشار في كتابه:"مناهج البحث عند مفكري الإسلام"ومن بين المستشرقين فرانز روزنتال في كتابه:"مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت