وتحت وطأة الانبهار وضغط الرغبة في التقليد وبتأثير قانون اتباع المغلوب للغالب اجْتَرَّتْ المعاهد العلمية في الشرق تلك المناهج العلمية في الغرب وصارت تتباهى بتلك المنهجية المستوردة باعتبارها آخر صيحة من صيحات الحضارة والمدنية.
وقد كان مما تم التباهي به من مناهج الأوروبيين: منهجهم في النقد التاريخي، حيث وَجَدَ صَدَىً واسعًا بين الباحثين المسلمين واحتل مكانة مقدسة في أبحاثهم وأطروحاتهم.
وعندما أصدر"لانجلوا"و"سينيوبوس"كتابهما في النقد التاريخي، غدا منهجهما -الذي أودعاه فيه- ترنيمةَ الباحثين في الجامعات العربية، وكان ذلك حتى أوائل الثلث الأول من القرن العشرين.
ولكن أول صوت علا لينبه إلى سبق المسلمين إلى هذا المنهج كان من الأستاذ"أسد رستم"- وهو باحث نصراني - حيث ألف كتابه"مصطلح التأريخ"الذي ارتسم فيه قواعد المنهج الأوروبي في النقد، لكنه نبه في بعض فصوله إلى جهود أبي"عمرو بن الصلاح"في وضع قواعد للنقد التاريخي عبر مجهوداته في عرض منهج النقد عند المحدثين من خلال كتابه:"علوم الحديث".
وتنبه الأستاذ"حسن عثمان"- وهو من دعاة المنهج الأوروبي في النقد التاريخي - إلى فائدة المصطلحات المحدثين ونوه بها بين ثنايا كتابه:"النقد التاريخي"الذي يمكن اعتباره عرضا جديدا لكتاب"لانجلوا وسينيوبوس".
وفي أوائل السبعين من القرن العشرين أجرى الأستاذ"عثمان موافي"بحثا أكثر استقصاء في الموازنة بين المنهج الأوروبي والمنهج الإسلامي، لكن فصوله كانت قلقة حائرة، فخلط بين منهج المحدثين في نقد السند ومنهج المعتزلة في النقد العقلي للمتن ليُلَفِّقَ ما سماه بالمنهج الإسلامي الذي جمع - في زعمه - بين نقد السند ونقد المتن ليظهره منهجا مشابها وسابقا للمنهج الأوروبي.