وفي تلك الغضون ظهر بحث للأستاذ"نور الدين عتر"يعرض فيه منهج المحدثين في النقد بدون موازنة مع المنهج الأوروبي، لكن بُغْيَتَه - كما صرح هو - هو إظهار علوم الحديث في صورةِ نظريةٍ نقدية متكاملة، لكنه في الواقع لم يصنع شيئا غير إعادة تبويب مصطلح الحديث ثم سماه"منهج النقد في علوم الحديث".
ومن بعده جاء الأستاذ"محمد الأعظمي"وعرض"منهج النقد عند المحدثين"من خلال تحقيق جزء من كتاب"التمييز"للإمام"مسلم بن الحجاج النيسابوري".
وقد أتى بسبْق حقيقي في إثبات أن ما نزعم أنه منهج النقد من خلال كتب المصطلح إن هو إلا نتيجة منهج النقد عند المحدثين، وليس هو منهج النقد نفسه، فدراسة الإسناد تبدأ بالبحث في أحوال الرجال وما قيل فيهم، وهذه البداية التي يبدأ بها الباحث الآن كانت نهاية بحث المتقدمين، فكون الرجل ضعيفا ليس هو ما بدأ به المحدثون القدامى، بل كانت نتيجة منهج في نقد هذا الرجل.
ويرى الأستاذ الأعظمي أن منهج النقد عند المحدثين يقوم أساسا على المعارضة بين مرويات الراوي ومرويات الثقاة، وقد تعرّض في كتابه:"منهج النقد عند المحدثين"إلى هذه القضية وإلى قضية النقد العقلي فأثبتها - مترددا - ووازن بين منهج المحدثين والمنهج الأوروبي في النقد التاريخي وتناول بعض الجهود الاستشراق في نقد الحديث وبَيَّن قيمتها العلمية من خلال دراسة منهجية متعمقة ، لكن عرضه لم يكن مستقصيا لأمرين:
الأول: تفاصيل أسلوب المحدثين في المنهج النقدي.
الثاني: منهج المحدثين في توثيق الرواية منذ نشأتها.
فخلا البحث في عمق التاريخ الزماني للمنهج ومن عمق تفاصيله الدقيقة، لكنه يعد - بحق - أول محاولة جادة لعرض المنهج العلمي للنقد عند المحدثين من خلال جانب تطبيقي وهو علم العلل.