الصفحة 197 من 209

قاعدة الشريعة المطردة، أنه لا يجوز الحلف والقسم إلا بِاللهِ - تعالى - أو باسم من أسمائه ، أو صفة من صفاته - سبحانه - ؛ لأن الحلف يقتضي التعظيم الذي لا يشاركه فيه أحد، وهذا لا يصرف إلا لله تعالى؛ ولهذا كان الحلف بغير الله - تعالى - من المخلوقين كافة: شركًا بالله ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"منْ حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك"أي: شركًا أصغر؛ لأن من يؤمن بالله إذا حلف بغيره، لا يقصد أن عظمة المخلوق المحلوف به مثل عظمة الله الخالق سبحانه، وبهذا التعليل صرف علماء التوحيد ظواهر هذه النصوص من الحديث المذكور وما في معناه إلى هذا المعنى:"الشرك الأصغر الذي لا يخرج عن الملة"أما إذا اعتقد المساواة فهو شرك أكبر. إذا عُرِف هذا فإن الحلف بصفة من صفات الله المذكورة، يمين شرعية منعقدة، يجب على من حنِث بها: الكفَّارة.

لكن إذا كان الحلف بصفة من صفات الله - تعالى - المذكورة، تستنكره نفوس العامة، فعلى المسلم احتساب الأجر بصرف حلفه بالله تعالى، وبعد تبصيرهم بجواز الحلف بصفة من صفات الله تعالى ، فلا عليهم إذا فقهوا؛ إذ القلوب ضعيفة، والشُّبهُ خطافةٌ.

إذا عُلِم هذا فإن الحلف بالمصحف أو بلفظ:"والقرآن الكريم"هو حلف بصفة من صفات الله - سبحانه - ؛ إذ القرآن مشتمل على كلام الله، وكلام الله من صفاته، فصار كما لو قال الحالف:"وكلام الله"فهذا حلف جائز، وقد أقام هذا أهل السنة على أهل البدعة مقام الحجة عليهم في قولهم الباطل:"بخلق القرآن". ولا يشكل عليك أن الحالف بالمصحف قد يريد الحلف بالورق والجلد؛ لأنَّ المصحف الكريم لا يسمى مصحفًا إلا بما فيه من كلام الله المجيد.

واعلم أيضًا: أنَّ الحلف بآيات الله، الجائز، هو الحلف بآيات الله الشرعية:"القرآن الكريم"، أما الحلف بآيات الله الكونية القدرية وهي مخلوقاته من إنس وجن فلا يجوز قولًا واحدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت