إن أول واعظم سور بني على ظهر الأرض وقد حفر الهرمزان حول السور خندقًا عظيما يتعذر اجتيازه وعسكرة جيوش المسلمين حول الخندق وظلت ثمانية عشر شهرا لا تستطيع اجتيازه
وخاضت مع جيوش الفرس خلال تلك المدة الطويلة ثمانين معركة
وفي آخر معركة من تلك المعارك الثمانين حمل المسلمون على عدوهم حملة باسلة صادقة فأخلى الفرس لهم الجسور المنصوبة فوق الخندق ولاذوا بالمدينة واغلقوا عليهم أبواب حصنها المنيع
وانتقل المسلمون بعد هذا الصبر الطويل من حال سيئة إلى أخرى أشد سوءا فقد أخذ الفرس يمطرون من أعالي الأبراج بسهامهم الصائبة .
اشتد الكرب على المسلمين وأخذوا يسألون الله بقلوب ضارعة خاشعة أن يفرج عنهم وينصرهم على عدوه وعدوهم .
وجاء دور المهمة الصعبة إنها المهمة التي تذيب الجبال وتكسر قلوب الرجال عندما أخبر أبا موسى الأشعري رجل من الفرس عن النفق الذي تحت الأرض يصل بين النهر والمدينة
وكلف أبو موسى الأشعري هذه المهمة الصعبة للبطل الباسل مجزأة بن ثور ومضى مع دليله الفارسي تحت جنح الظلام فكان النفق يتسع تارة حتى يتمكن الخوض في مائة وهو ماش على قدميه ويضيق تارة أخرى حتى يحمله على السباحة حملا وكان يتشعب ويتعرج مرة ويستقيم مرة ثانية ..
وهكذا حتى بلغ به المنفذ الذي ينفذ منه إلى المدينة ثم عاد من حيث جاء قبل بزوغ الفجر .
وقد أعد أبو موسى ثلاثمائة من أشجع جند المسلمين قلبًا وأشدهم جلدا وصبرا وأقدرهم على العوم وأمر عليهم مجزأة بن ثور وجعل التكبير علامة على دعوة جند المسلمين لاقتحام المدينة
ظل مجزأة بن ثور وجنده البواسل نحوا من ساعتين يصارعون عقبات هذا النفق الخطير فيصرعونها تارة وتصرعهم تارة أخرى.
ولما بلغوا المنفذ المؤدي إلى المدينة وجد مجزأة أن النفق قد ابتلع مائتين وعشرين رجلا من رجاله وأبقى له ثمانين .