فهرس الكتاب
(من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليًا بألسنتهم وطعنًا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وأنظرنا لكان خيرًا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلًا) النساء 45،46.
يفسر الرازي قوله (يحرفون الكلم عن مواضعه) أن المراد بالتحريف: إلقاء الشبة الباطلة، والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعل أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم وهذا هو الأصح. الثالث: أنهم كانوا يدخلون على النبي ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه. المسألة الرابعة: ذكر الله ههنا (عن مواضعه) وفي المائدة (من بعد مواضعه) المائدة 41, والفرق أنّا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة، فههنا قوله: يحرفون (الكلم عن مواضعه) معنا: أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب).
وجاء في تفسير القرآن لابن عباس (يحرفون الكلم عن مواضعه) يغيرون صفة محمد ونعته بعد بيانه في التوراة ويأتون محمدًا ويقولون سمعنا قولك يا محمد وعصينا أمرك في السر عنه واسمع منا يا محمد غير مسمع غير مطاع ومسمع منك في السر وراعنا اسمع منا يا محمد وكان بلغتهم راعنا اسمع لا سمعت (ليًا بألسنتهم) يحرفون ألسنتهم بالشتم والتعبير (وطعنًا في الدين) عيبًا في الإسلام و (لو أنهم) يعني اليهود (قالوا سمعنا) قولك يا محمد (وأطعنا أمرك) ، وأسمع (منا) وأنظرنا (انظر إلينا) لكان خيرًا لهم من السب والتعيير.
وكان المسلمون يقولون لنبي المسلمين راعنا من المراعاة أي ارعنا، جاء في قاموس مختار الصحاح (راعنا) (البقرة 104) . قال الأخفش: هو فاعلنا في المراعاة على معنى: أرعنا سمعك.
وجاء في مفردات القرآن: راعنا أي إحفظنا.
وجاء في فتح القدير: قوله (راعنا) أي: راقبنا، وإحفظنا، وصيغة المفاعلة تدل على أن معنى (راعنا) ارعنا، ونرعاك، وإحفظنا، نحفظك، وراقبنا، ونرقبك، ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك.
وجاء في القاموس المحيط للفيروز أبادي: وقراءة الجمهور (راعنا) . وفي مصحف عبد الله وقراءته، وقراءة أبي: راعونا، على إسناد الفعل لضمير الجمع وذكر أيضا في مصحف عبد الله (إرعونا) . خاطبوه بذلك إكبارًا وتعظيمًا، إذ أقاموه مقام الجمع.
لكن اليهود كانوا ينطقونها محرفة (رعنًا) ويقصدون سبه، أي يا أرعن، فنهى القرآن المسلمون عن استخدام تعبير (راعنا) حتى لا يستغله اليهود في سب نبي الإسلام.
جاء في قاموس لسان العرب لابن منظور الإفريقي: رعن، الأرعن، الأهوج في منطقه المسترخي. والرعونة: الحمق والاسترخاء. رجل أرعن وامرأة رعناء. بينّا الرعونة والرعن أيضا، وما أرعنه، وقد رعُن بالضم، يرعن رعونة ورعنًا. وقوله تعالى (لا تقولوا راعنا وقولوا أنظرنا) . قيل: هى كلمة كانوا يذهبون بها إلى سب النبي، اشتقوه من الرعونة، قال ثعلب: إنما نهى الله تعالى عن ذلك لأن اليهود كانت تقول للنبي راعنا أو راعونا، وهو من كلامهم سب، فأنزل الله تعالى لا تقولوا راعنا وقولوا مكانها أنظرنا، قال ابن سيده: وعندي أن في لغة اليهود راعونا على هذه الصيغة، يريدون الرعونة أو الأرعن. وقيل: أن راعنا كلمة كانت تجري مجرى الهزأ، فنهى المسلمون أن يلفظوا بها بحضرة النبي، وذلك أن اليهود لعنهم الله كانوا اغتنموها، فكانوا يسبون بها النبي في نفوسهم ويتسترون من ذلك بظاهر المراعاة منها، فأمروا أن يخاطبوه بالتعزيز والتوقير، وقيل لهم: لا تقولوا (راعنا) .