فهرس الكتاب
ومن هنا يؤكد القرآن في هذه الآية تحريف اليهود لمعنى كلمة (راعنا) التي قصد بها المسلمون المراعاة وتحويلها إلى كلمة سب (يا أرعن) ومن ثم تقول الآية (ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنًا في الدين) .
جاء في صحيح البخاري: (يحرفون الكلم عن مواضعه) أي يزيلونه وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله تعالى ولكن يؤولونه على غير تأويله).
وهنا يؤكد البخاري في صحيحه على استحالة إزالة لفظ واحد من كتاب الله (التوراة وغيرها من كتب الله) وإنما (يؤولونه على غير تأويله) .
وهذا ما يؤكده القرطبي في تفسيره: يتأولونه على غير تأويله. و ذمهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي (الكلام) . قال النحاس: و (الكلم) في هذا أولى، لأنهم إنما يحرفون كلم النبي أو ما عندهم في التوراة وليس يحرفون جميع الكلام. وراعنا ذكر شيئًا آخر من جهالات اليهود والمقصود نهى المسلمين عن مثل ذلك. وحقيقة (راعنا) في اللغة ارعنا ولنرعك، لأن المفاعلة من إثنين فتكون من رعاك الله، أي إحفظنا ولنحفظك، وارقبنا ولنرقبك. ويجوز ارعنا سمعك، أي أفرغ سمعك لكلامنا.
ويقول ابن كثير: ثم قال تعالى (من الذين هادوا) من في هذا لبيان الجنس كقوله (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) وقوله يحرفون الكلم عن مواضعه أي يتأولونه على غير تأويله ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل قصدًا منهم وافتراء ويقولون سمعنا أي سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه. هكذا فسره مجاهد وابن زيد وهو المراد وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم وأنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقولوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة.
ويقول السيوطي في الدر المنثور: أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله (الم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) إلى قوله (يحرفون الكلم عن مواضعه) يعني يحرفون حدود الله في التوراة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن منذر وابن حاتم عن مجاهد في قوله (يحرفون الكلم عن مواضعه) قال: تبديل اليهود التوراة، ويقولون (سمعنا وعصينا) قالوا: سمعنا ما تقول ولا نطيعك (واسمع غير مسمع) قال: غير مقبول ما تقول (ليًا بألسنتهم) قال: خلافًا يلوون به ألسنتهم (واسمع وإنظرنا) قال: افهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (يحرفون الكلم عن مواضعه) قال: لا يضعونه على ما أنزل الله.
إذًا فالمقصود بالتحريف هنا هو تحريف معنى (راعنا) ؟
يقول الطبري: قال ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي: راعنا. على جهة الطلب والرغبة - من المراعاة - أي التفت إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سبًا، أي اسمع لا سمعت، فاغتنموها وقالوا: كنا نسبه سرًا فالآن نسبه جهرًا، فكانوا يخاطبون بها النبي ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: عليكم لعنة الله! لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه.
وقال جلال الدين السيوطي في الجلالين: يا أيها الذين أمنوا لا تقولوا للنبي (راعنا) أمر من المراعاة وكانوا يقولون له ذلك وهى بلغة اليهود سب من الرعونة فسروا بذلك وخاطبوا بها النبي فنهى المؤمنون عنها. وأيضا وقد نهى عن خطابه بها وهى كلمة سب بلغتهم (ليًا) تحريفا (بألسنتهم وطعنا) قدحًا (في الدين) الإسلام.