فهرس الكتاب
وجاء في مختصر تفسير ابن كثير: نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص - عليهم لعائن الله - فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا، يقولوا (راعنا) ويورّون بالرعونة، كما قال تعالى (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليًا بألسنتهم وطعنًا في الدين) وكذلك جاءت الأحاديث بالأخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون (السأم عليكم) والسأم هو الموت.
وجاء في تفسير بحر العلوم للسمرقندي: أي يحرفون لغته عن مواضعه وهو نعت محمد ويقولون سمعنا قولك وعصينا أمرك واسمع غير مسمع منك. وراعنا ليًا بألسنتهم أي يلوون لسانهم بالسب و (طعنًا في الدين) أي في دين الإسلام. قال القنبي: كانوا يقولون للنبي إذا حدثهم وأمرهم سمعنا، ويقولون في أنفسهم وعصينا. وإذا أرادوا أن يكلموه بشيء قالوا: اسمع يا أبا القاسم. ويقولون في أنفسهم: لا سمعت. ويقولون راعنا يوهمونه في ظاهر اللفظ إنهم يريدون إنظرنا حتى نكلمك بما تريد، ويريدون به السب بالرعونة (ليًا بألسنتهم) أي قلبًا للكلام بها (ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا) مكان سمعنا وعصينا (واسمع) مكان اسمع لا سمعت (وإنظرنا) مكان قولهم راعنا (لكان خيرًا لهم وأقوم) أي وأصوب من التحريف والطعن.
أي أن اليهود كانوا يسبون نبي المسلمين بقولهم له (راعنا) والتي تعني (ارعنا) ، وذلك بتحريف معنى الكلمة ولي لسانهم وقولهم له (راعنا أو راعونا) أي يا أرعن وهى كلمة سب بلغتهم (ليًا) تحريفًا بألسنتهم!!! فالاتهام هنا موجه ضد بعض اليهود الذين يحرفون الكلم. ومن الأمثلة المعطاة ترى أنهم كانوا يحرفون كلام نبي المسلمين كما بينا أعلاه وكما يقول عبد الله يوسف على مترجم القرآن للإنجليزية في تفسير لهذه الآية (كان من مكر اليهود أنهم يلوون الكلمات والتعبيرات ليسخروا من جدية تعاليم الإسلام، فبد أن يقولوا: سمعنا وأطعنا يقولون بصوت عال(سمعنا) ثم بصوت خفيض (وعصينا) . وكان يجب أن يقولوا باحترام (نسمع) ولكنهم يقولون هامسين في سخرية (غير مسمع) . ومع أنهم ادّعوا أنهم يحترمون المعلم إلا أنهم إستخدموا كلمة مبهمة ظاهرها طيب بنية سيئة. فكلمة (راعنا) عربية تقدم الاحترام، ولكن بليّ اللسان في نطقها يصير معناها سيئًا وهو (خذنا لمحل الرعي) أو في العبرية (أنت السيئ فينا) [1] .
قصدت عزيزي القارئ أن أنقل كل ما كتبه القس من استدلالات نقلًا عن المفسرين المسلمين بخصوص هذه الآية لكي أوضح الأسلوب الفوضوي الذي يتبعه في بناء الحجة والدليل على قضيته والذي يجعل المتلقي في حيرة من أمره في هذا الكم الغير متناسق من المعلومات التي تشوش على الهدف الأساسي المراد إيضاحه فيعطي القس الحرية والقدرة على توجيه القارئ إلى ما يريد.
والآن علينا أن نتحسس ونتلمس الطريق وسط هذا الكم من التفاسير والمعلومات التي تجعلنا كالباحث عن كتاب داخل مكتبة غير مرتبة أو مفهرسة.
ونبدأ بأن المفسرين وشروحاتهم التي استعان بهم القس لم يستقروا على رأي واحد بخصوص التحريف وهو الأمر الذي سوف يتكرر في كل الآيات التي ذكرت التحريف. فهم يعرضون كل الآراء الخاصة بالتحريف بصرف النظر عن توافق الرأي مع مضمون الآية نفسها وسياقها مع باقي الآيات. ولذلك فلا يمكن الاستناد إلى التفاسير لترجيح رأي على الآخر.
أما فيما يخص القمص فالمقصود بالقول من الذين هادوا ليس فريق من اليهود بل كما قال ابن كثير (هذا لبيان الجنس) أي لتعريف من المقصود وليس تحديد جزء من اليهود. وقد ذهب بعض المفسرين في الفصل ما بين يحرفون الكلم أنها وصف لليهود وأنهم يحرفون التوراة وبين تغير اليهود الكلام عند مخاطبة الرسول وقاموا بشرح كل جزء بمفرده مثل أقوال القرطبي وابن كثير والسيوطي والسمرقندي التي استعان بها القس في استدلالاته. فيلاحظ أن يحرفون الكلم هنا هى وصف لليهود وليس مثل القول في الآية الأولى يسمعون ثم يحرفون، ففي الآية يقولون فعل معطوف على فعل يحرفون فيفهم من الآية أن الجزء الأول هو وصف لليهود والجزء الثاني هو شرح لأفعال اليهود التي جعلتهم يستحقون هذا الوصف.
(1) الكتاب المقدس يتحدى منتقديه والقائلين بتحريفه - القس عبد المسيح بسيط أبو الخير - كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية.