فهرس الكتاب
ويلاحظ في كلام القساوسة أن القمص أخذ جزء من كلام الرازي وأن القس تجاهل كلام الرازي الذي لا يرغب في ذكره لأنه يناقض ما يرغب في إقناع القارئ به. ولكي نبرّئ ساحة فخر الدين الرازي فهو يقول في الجزء المتروك (وأما الآية المذكورة في سورة المائدة، فهى دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين، فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة، وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب فقوله:(يحرفون الكلم) إشارة إلى التأويل الباطل وقوله: (من بعد مواضعه) إشارة إلى إخراجه عن الكتاب) ويرد أيضا على القمص ويقول (وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر كلام الله ظهورًا متواترًا كظهور القرآن، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس الكلام) . هذا هو كلام الرازي الذي تجنى عليه القمص والقس ليوضح أسلوب القساوسة في التحريف الذي ورثوه من أسلافهم اليهود والتأويل المنحرف والمجتزئ من آيات القرآن وأقوال المفسرين والتلاعب بها وإخفاء ما يريدون وإظهار ما يريدون ليتضح صدق ما وصف القرآن به أهل الكتاب وهو ما سوف نراه يتكرر كثيرًا في ما هو آتٍ.
كذلك يلاحظ أن التحريف في هذه الآية كما في سورة البقرة آية 75 هو متصل بأصل الكلام والحواس التي تتحكم به. ففي الآية الأولى يقول يسمعون ثم يحرفون أي هنا حاسة السمع وفي الآية الثانية ليًا بألسنتهم، وهنا اللسان وهو أداة النطق وهذا غير مرتبط بالتأويل ففي التأويل محاولة تغيير المعنى في الشرح والفهم ولكن أصل الكلام ثابت وكذلك مدون ولكن هنا مرتبط بالكلام المنطوق والمسموع فلابد أن يكون المقصود هو نفس الألفاظ وتغييرها. ويعطي القرآن أمثلة على ذلك مثل القول راعنا الذي كان اليهود يحولونه إلى رعنًا أو راعونا وكذلك قول اليهود السأم عليكم بدل من السلام عليكم، والسأم هو الموت. لذا فمن الواضح أن لفظ الكلام هو الذي تغير وليس معناه فقط.
الآية الثالثة اللي في سورة المائدة آية 13 (ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظًا مما ذكروا به) . لينا تعليقات على الحته دي. الشرح: الإمام الرازي يشرح الكلام ده يقول إيه (إن المراد بالتحريف هو إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات فاسدة وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى المعنى الباطل بوجوه الحيل اللفظية كما يفعل أهل البدع في زماننا هذا) يقول إيه إن المراد بالتحريف وهو بيشرح الآية دي (يحرفون الكلم) يعني، فالرازي بيقول شرحًا للآية دي المراد بالتحريف هو إلقاء الشبهة الباطلة على النص والتأويلات أي التفسيرات الفاسدة وصرف اللفظ اللفظ هوه هوه، صرفه بأه عن معناه الحق، يعني إنهم بيفهموا الكلام بطريقتهم الخاصة وبالمعاني اللي همه عايزين يفهموها والدليل على صحة ما يقول الرازي هو كلام، صحيح البخاري ذكر نفس الشيء على الآية 15 التي جاءت في نفس سورة المائدة اللي بيقول (يا أهل الكتاب، قد جاءكم رسول يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب) فالقرآن الكريم بهذا يفسر المقصود من التحريف، هو مجرد إخفاء أجزاء من الكتاب يعني موجودة بس يداريها فيقولك بيحرفوها.
ده عندك بأه تفسير الجلالين قالوا كلام غريب، يقول إيه عن التحريف (إن تحريف الكلم الذي في التوراة) شوفي الخصوصية، القرآن يقصد تحريف الكلم اللي بيتكلم عليه إنه إتحرف في التوراة (هو بخصوص محمد - صلى الله عليه وسلم - وما يخفونه من الكتاب هو ما أمروا به في التوراة من إتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -) . قال إن جه في الكتاب نبوءة عن محمد فهمه مدارينها والنبوءة عن النبي الآتي اللي هو النبي الأمي في الكتاب همه فاهمين الأمي والآتي. وحقيقة الأمر أن الخلاف في موضوع التحريف بحسب هذه الآية هو قراءة نبوءة موسى التي وردت في التوراة عن النبي الآتي اللي هوه يقصد بيه المسيح حرفوها إلى إيه النبي الأمي أو فهموها العرب ومحمد فهمها على إنها النبي الأمي موسى بيتكلم عن النبي الآتي، يقيم لكم الرب نبي مثلي من أخوتكم له تسمعون، فقالوا أهه هو ده النبي الأمي، يا عم ده الآتي، يبقى مين اللي حرّف مش اليهود اللي حرّف، لكن لو واحد ممكن يقول لي طب إيه النبي الآتي ده بتاع موسى بيقولك (يقيم لكم الرب نبيًا مثلي من أخوتكم) يعني من شعب الله من إسرائيل. محمد مش من إسرائيل، محمد ابن إسماعيل. فإذًا الآيات اللي بتتكلم عن التحريف، القرآن لم يكن يقصد قط إنه تحريف في الألفاظ وإلا ما كنش شهد ليه، ما كنش شهد للكتاب المقدس.
لا أدري هل هذه الشروح من تفسير الرازي للآية 13 من سورة المائدة أم إنها خاصة بالآية 46 في سورة النساء، وهل القمص قرأ أساسًا تفسير الرازي أم إنه يقرأ ما يكتب له. وتفوق عليه القس في التدليس بعدما استدل بهذا التفسير في الآية 46 سورة النساء عاد مرة أخرى ليردد نفس الكلام عن الآية 13 سورة المائدة. بعيدًا عن ارتباط التفسير بوقائع الآية واختلافها عن الآيات الأخرى فناقض بذلك قوله بأن كل آية لها خصوصية في التنزيل والحدث والحكم ولا يمكن أن نأخذ منها حكم مطلق ولكنهما استخدما كلام الرازي - على غير الحقيقة - كحكم نهائي ينطبق على أي آية تذكر التحريف.