فهرس الكتاب
(فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظًا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلًا منهم فأعف عنهم وأصفح إن الله يحب المحسنين) المائدة 13.
وتقول الآية 15 في نفس سورة المائدة بعد هذا الكلام (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب) . إذًا فهو يؤكد المقصود من التحريف هو إخفاء أجزاء من الكتاب، وليس تغيير ألفاظ كلام الله.
يقول الرازي: إن المراد بالتحريف هو إلقاء الشبهة الباطلة، والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى المعنى الباطل، بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعل أهل البدع في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذهبهم، وهذا هو الأصح.
وقال أيضا: (يحرفون الكلم عن مواضعه) وهذا التحريف يحتمل التأويل الباطل ويحتمل تغيير اللفظ، وقد بينّا فيما تقدم أن الأول أولى لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى في تغيير اللفظ.
وجاء في تفسير القرطبي: (يحرفون الكلم عن مواضعه) يفسرونه على غير ما أنزل وهو بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير وحيه.
وجاء في تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية: واختلف العلماء في معنى قوله: (يحرفون الكلم) فقال قوم منهم ابن عباس تحريفهم هو بالتأويل ولا قدرة لهم على تبديل الألفاظ في التوراة ولا يتمكن لهم ذلك ويدل على ذلك بقاء آية الرجم واحتياجهم إلى أن يضع القارئ يده عليها.
وجاء في تفسير البحر المحيط لأبي حيان: (يحرفون الكلم عن مواضعه) أي يغيرون ما شق عليهم من أحكامها، كأية الرجم بدلوها لرؤسائهم بالتحميم وهو تسويد الوجه بالفحم، قال معناه ابن عباس وغيره، وقالوا: التحريف بالتأويل لا بتغيير الألفاظ، ولا قدرة لهم على تغييرها ولا يمكن. ألا تراهم وضعوا أيديهم على آية الرجم؟ وقال مقاتل: تحريفهم الكل هو تغييرهم صفة الرسول، أزالوها وكتبوا مكانها صفة أخرى فغيروا المعنى والألفاظ، والصحيح أن تحريف الكلم عن مواضعه هو تغيير في اللفظ والمعنى، ومن اطلع على التوراة علم ذلك حقيقة، وقد تقدم الكلام على هذا المعنى. [1]
بعدما أخطأ القمص والقس في اعتقادهم أن تفسير الرازي بخصوص أي آية والمتعلق بمحتواها المراد تفسيره يمكن تطبيقه على الآيات الأخرى، يرتكبان خطأ أفدح في قيامهم بتفسير الآية 15 من سورة المائدة على أنها توضح ما هو التحريف المقصود بدون الرجوع لأي من مصادر المفسرين المسلمين فكان الأمر مثل المثل المصري المعروف (جه يكحلها عماها) . فما هو مبرر هذا التصرف، هل من طول دراستهما للإسلام اعتقدا أنه أصبح لديهما الحق والقدرة على التفسير. كان من نتيجة هذا التصرف أنهما أدخلا في التحريف نوع جديد منه وهو إخفاء أجزاء من الكتاب. فما علاقة التحريف الذي يحاولان جاهدًا إقناع المسلمين أنه مجرد تأويل خاطئ للنص بإخفاء أجزاء من الكتاب. وإذا كان الأمر إخفاء أجزاء من الكتاب فلماذا الاحتياج إلى تأويل هذه الأجزاء المخفية تأويل خاطئ أم أن اليهود قد جمعوا بين الأمرين، التأويل الخاطئ للنصوص وإخفاء أجزاء من الكتاب. هل استطاع القمص والقس أن يدفعا بعدم تحريف نص التوراة ليفتحا على نفسيهما باب التحريف بإخفاء أجزاء من التوراة، فكأنهما يقولان أن اليهود حرفوا التوراة ولكن ليس بتغيير النص بل بإخفائه، فما هو الفرق فالمحصلة واحدة وهو تحريف التوراة بصرف النظر عن الوسيلة. إن آراءهما يوضح مدى التخبط الفكري الذي يسيران عليه وردودهما العشوائية التي تفسد أكثر مما تصلح.
(1) الكتاب المقدس يرد على منتقديه والقائلين بتحريفه - القس عبد المسيح بسيط أبو الخير _ كاهن كنيسة العذراء الأثرية.