فهرس الكتاب
وزاد على ذلك أن القس يعتقد أنه يخاطب مجموعة من السذج الذين لا يعرفون أبسط قواعد القراءة. فهو يستدل بأقوال من التفاسير تناقض كل ما يحاول أن يدلل عليه ويقوي حجته وأفكاره غير واعي بأن المسلمين ببساطة يستطيعون أن يكتشفوا ما يتناقض مع أفكار القس من أقوال المفسرين إلا إذا كانت هذه الكتب موجهة إلى النصارى من أتباع كنيسته دفاعًا عن عقيدتها [1] . ولكن ألا يمكن لأي مسلم أو باحث الحصول على هذه الكتب كما فعلت ويشرح الأسلوب الهزيل الفاضح للقس في التلفيق والجهل بالمصادر والأقوال الإسلامية التي يستخدمها. فماذا سيكون موقفه أمام مستمعيه وقرّاءه من أتباع كنيسته.
ولكي نؤكد هذا الكلام. القس قام أولا بمحاولة تفسير الآية 13 بالآية 15 من سورة المائدة وعرفنا ما فتحت عليه هذه الآية من متناقضات. وثانيا أنه أعاد استخدام أقوال الرازي المجتزئة الخاصة بالآية 46 من سورة النساء في تفسير هذه الآية رغم أن كل آية لها تفسيرها الخاص حسب سياقها. وفي أقوال المفسرين أكدوا أن تغيير اللفظ يحتمل حدوثه وأن أولوية تغيير المعنى كما قال الرازي مرتبط بأن يكون ظهور الكتاب بالتواتر مثل القرآن فهل التوراة مثل القرآن حتى يثبت تغيير المعنى. إن هذا الشرط لا يتحقق وبالتالي يكون تغيير اللفظ أولى. وذكر القس في تفسيرين متتالين آراء لابن عباس على طرفي نقيض، ففي تفسير ابن عطية يقول ابن عباس أن تحريفهم هو التأويل ولا قدرة لهم على تبديل الألفاظ والدليل بقاء آية الرجم ووضع القارئ يده عليها. وهذا يناقض أقوال ابن عباس في التفسير الذي يليه تفسير البحر المحيط لأبي حيان حين قال ابن عباس أنهم غيروا ألفاظ التوراة بدليل أنهم غيروا آية الرجم بتسويد الوجه بالفحم. فما هو الرأي الصادق لابن عباس. إن هذا التعارض يضع علامة استفهام كبيرة في كيفية استخدام القس لآراء متعارضة تضعف حجته ولا تقويها. لنصل إلى قمة أخطاء القس عند قول أبي حيان في تفسيره (أن تحريف الكلم عن مواضعه هو التغيير في اللفظ والمعنى) هكذا بدون لبس وبصريح العبارة. فهل هكذا يدافع القس عن قضيته بأن يجمع كل الدلائل والشهود الذين يكذبون كلامه وأفكاره، هل قرأ هذه التفاسير قبل أن يوثقها في كتبه؟. هل هكذا يدلل على قضيته أم أنه لا توجد قضية من الأساس وأن كل ما ذكره ينطبق عليه قول (أسمع ضجيجًا ولا أرى طحينًا) . فإذا حاول أي مسلم أن يؤكد وقوع التحريف باللفظ والمعنى لن يفعل أكثر مما فعل القس.
وبالعودة إلى الآية 13 سورة المائدة ومن سياق الآيات يتضح أنها وصف لليهود الذين نقضوا ميثاقهم مع الله فلعنهم الله وجعل قلوبهم قاسية وذكر القرآن السبب بالإضافة إلى نقض الميثاق أنهم حرفوا كلام الله وكذلك نسوا حظًا مما ذكروا به. فالتحريف هنا يعود إلى ما سبق أن اتهموا به في سورة البقرة آية 75 من تحريف الكلام الذي سمعوه من الله عند لقائهم عند الميقات وهو كما سبق أن أوضحنا أنه تحريف لفظي لأن التغيير والتحريف حدث للكلام الذي سمع أي أصل الكلام ولم يكن هناك مصدر مكتوب لكي يتم تأويله.
يأخذنا بعد ذلك القمص إلى طريق فرعي عن الرسول الآتي الذي ذكره تفسير الجلالين وأن العرب أساءوا فهم أقوال التوراة. ورغم أن قصة التبشير بالرسول الآتي في التوراة والإنجيل ليس هذا مجالها لكي نبحثها ولكن سوف نعرض لدلائل ونبوءات الرسول باختصار. إن الكلام الذي أشار إليه القمص المذكور في سفر التثنية يقول (يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون) تثنية 18: 15. فهنا موسى يذكر لقومه أقوال الرب له لذلك فالكلام مفرد (إخوتك) والكاف دليل المخاطب مفرد وموسى هنا رأس بني إسرائيل وعليه لا يكون الكلام عن إخوة موسى من بني إسرائيل بل من إخوة موسى وهم أبناء إسماعيل وإذا كان الكلام خاص ببني إسرائيل كن المفروض القول بصيغة أخرى وهى قومك أو أبناء قومك الخ. ويؤكد هذا الكلام والفكر القول الثاني في نفس السفر (أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به) تثنية 18: 18. وواضح هنا الفرق في الخطابين، فالخطاب هنا موجه إلى بني إسرائيل ويتضح من قوله (إخوتهم) وهو ضمير غائب جمع والخطاب لموسى كما يتضح من القول (مثلك) . وهنا لابد أن نوضح أسلوب المخاطبة ومعنى إخوة. إذا خاطبنا فرد وقلنا إخوتك يكون المفهوم إخوته أبناء أبيه وإذا خاطبنا أسرة بالقول إخوتكم تكون أسرة أخرى تجتمع معها في القرابة، وإذا خاطبنا أهل القاهرة وقلنا إخوتكم يكونوا أهل مصر في أي محافظة أخرى، وإذا خاطبنا أهل مصر وقلنا إخوتكم يكون المقصود هم أي شعب عربي أو إسلامي. فمن غير المنطقي أن نقول إخوة أهل مصر نعني بهم أهل الإسكندرية أو أهل أسوان. وهو المبدأ الذي ينطبق هنا، فالكلام ليس موجه إلى سبط من أسباط بني إسرائيل حتى يقال أن المقصود بالنبي الآتي هو من بني إسرائيل بل الكلام موجه إلى بني إسرائيل جميعًا وعليه يكون المقصود بإخوتهم من خارج بني إسرائيل فيكون المقصود هم بني إسماعيل أي العرب.
(1) القس عبد المسيح بسيط أبو الخير - رئيس اللاهوت الدفاعي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.