الصفحة 108 من 372

وهكذا أجمع المفسرون أن سبب نزول هذه الآية في سورة المائدة هو هذه القصة. فالتحريف المقصود هو في تفسير حكم الرجم بالجلد، وليس تغيير نصوص الكتاب المقدس [1] .

تعتبر هذه الآية وما يرتبط بها من آيات لسبب نزولها والقصص التي تروى عنه ذات خصوصية بخلاف الآيات الثلاث الأولى وتعتبر هى عقدة الاختلاف لما تحتوي عليه من نقاط تثير اللبس والخلاف. لذلك فلابد من نظرة متعمقة بعيدًا عن مجرد سرد الروايات المختلفة التي وردت بشأنها والبحث التحليلي في نقاط الخلاف ونقاط الغموض التي قد توصل إلى نتائج متعارضة يساء استخدامها كما يفعل القمص والقس.

بخلاف القصة التي ذكرها القمص زاوية والقس من زاوية أخرى فأعطت صورة منقوصة لأبد لإكمالها من عرض كل الروايات التي ذكرت عن تلك الواقعة لتكوين صورة مجسمة لها.

(قال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب قال: مر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم. فقالوا: نعم فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم. فقال: لا والله ولولا ناشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. قال: فأمر به فرجم) [2] .

وفي رواية أخرى (الصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرّفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمارين مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم تعالوا حتى بتحاكم إليه فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه واجعلوه حجة بينكم وبين الله ويكون نبي من أنبياء قد حكم بينكم بذلك وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك) [3] .

و (عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلنا واحتججنا بها عند الله، قلنا فتيا نبي من أنبيائك. قال: فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن. قالوا يحمم ويجبه والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما. قال: وسكت شاب منهم فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكت ألظ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النشدة. فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: فما أول ما ارتخصتم أمر الله. فقال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ثم زنى رجل في أثره من الناس فأراد رجمه فحال قومه دونه وقالوا لا ترجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: فإني أحكم بما في التوراة. فأمر بهم فرجما) [4] .

(1) الكتاب المقدس يتحدى منتقديه والقائلين بتحريفه - القس عبد المسيح بسيط أبو الخير - كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية.

(2) تفسير ابن كثير.

(3) تفسير ابن كثير.

(4) تفسير ابن كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت