فهرس الكتاب
هذه بعض الروايات الأخرى عن سبب نزول الآية وأول التساؤلات التي تثيرها عن السبب الذي جعل اليهود يذهبون للرسول أهو كما ذُكر لتخفيف الحكم على الزناه. كيف ذلك واليهود لم يكونوا أصلًا يطبقون حد الرجم في التوراة والدليل مناشدة الرسول لهم أن يفصحوا عن حكم التوراة الصحيح وقوله: اللهم أني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. وإذا كان اليهود يطبقون حكم التوراة فكيف يعتقدون أن الرسول سيطبق عليهم الحكم الخاص بالمسلمين دون التوراة. وإذا فعل ما هى صفة الرسول ومكانته لدى اليهود حتى يرضوا بحكمه، فهل يقبل اليهود حكم مخالف عن التوراة من رجل يقولون أنه يدّعي النبوة. فوفقًا لهذه الروايات فإن اليهود مؤمنين بدعوة الرسول وصفته وأن رفضهم له هو نوع من العناد والنفاق والكبرياء وليس عن جهل وعندما أرادوا ما يحقق مصلحتهم تناسوا معاداتهم للرسول وأقروا له بالنبوة وهو ما يؤكد سلوك اليهود في التعامل مع كتابهم ويعطي لمحة عن سلوكهم وقدرتهم على القيام بالتحريف وفقًا لمصلحتهم. فهذا يثبت أولا توافر النية والقدرة على الفعل.
التساؤل الثاني عن التوراة هل كانت بالعبرية وتترجم معانيها بالعربية كما قيل (إن التوراة التي كانت مع اليهود كانت باللغة العبرية، وكانوا يقرؤونها، كعادتهم بالعبرية ويترجمون معانيها بالعربية، وكانت ترجمة معانيها في الأغلب ترجمة معنوية وليست حرفية. ولأنه كان من النادر أن يوجد بين العرب من يعرف العبرية مثل اليهود إلا بعض الصحابة الذين كانوا من أصل عبري مثل عبد الله بن سلام ووهب بن منبه. لذا اتهم المسلمون اليهود بتحريف معاني كلمات التوراة) [1] .
ولكن هذا الرأي غير قاطع أو حاسم ففي بعض المصادر الإسلامية ما يناقض هذا (أن عمر أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه فغضب) [2] . فإذا كانت التوراة بالعبرية وليست بالعربية فالرسول لا يعرف العبرية حتى يقول فأتوا بالتوراة فقرأوها إن كنتم صادقين. فهل الرسول كان سيعرف من القارئ أنهم يكذبون وإذا القارئ مر على آية الرجم بدون أن يضع يده عليها هل سيعرف الرسول ما فعله. أم أن التوراة التي كانت بين أيديهم هى نسخة مترجمة إلى العربية شبيهة بالتوراة السبعينية اليونانية وبدل الحكم فيها من الرجم إلى غيره وبدلت صفة الرسول كما أشار الرازي في تفسيره، وهو المقصود (بالتحريف من بعد مواضعه) وعندما أراد الرسول أن يحتكم إلى أصل التوراة العبري وأخذ معه من يعرف العبرية مثل عبد الله بن سلام حتى لا يتم خداعه، حاول القارئ أن يضع يده على آية الرجم. والسؤال من أخبر الرسول أن الأصل العبري به آية الرجم وهو لا يعرف العبرية. فهذا يوضح إما أن هناك كتاب بالعربية تم حذف حد الرجم منه أو أنهم خدعوا عامة اليهود بعدم وجود الرجم في التوراة مستغلين جهلهم بالعبرية كما حدث بعد عودتهم من السبي وتحول لغة اليهود المعروفة من العبرية إلى الآرامية فنشأ ما أطلق عليه الترجوم أي ترجمة آرامية للتوراة. وفي الحالتين سواء التحريف في ترجمة التوراة أو إخفاء أحكامها فالنتيجة واحدة لأن الكهنة هم الوحيدون الذين يفسرون التوراة. فيتضح هنا بعد النية في التغيير في الكتاب من أجل مصلحتهم ومقدرتهم على فعل هذا بدون حساب نتيجة معصية السماء أو عواقب فعلتهم, فإنهم أقدموا على هذا التحريف واستمروا فيه سواء في الترجمة العربية أو إخفاء الحكم في التوراة العبرية.
يتبقى السؤال الأخير ألم يجد الرسول حكم الرجم في أصل التوراة فماذا عن الحكم به وكذلك قول القرآن (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) . لنبدأ بوجود حكم الله في أصل التوراة العبري وسبق أن ذكرنا أن التحريف ليس المقصود به كتابة نص جديد بالكامل بديل للتوراة الأصلية, فهذا يسمى تأليف أما التحريف فهو الدخول على الأصل الإلهي المعصوم بالعقل البشري القاصر وهوى النفس فيفقد الكتاب مرجعيته وعصمته وهو لا ينفي احتمال وجود أصل صحيح في الكتاب والدليل طلب القرآن للرسول بالرجوع لأهل الكتاب وسؤالهم عن أحداث وقصص أنبياءهم التي سردها القرآن. ومعنى هذا أن الحكم وقع في الجزء الصحيح في التوراة ولكنه لا يعطي حكمًا نهائيًا بالعصمة فلا يجب أن نأخذ ما نريد من القرآن ونترك ما لا نريد.
أما قول القرآن كيف يحكمونك فهو ليس إقرار بأن التوراة سليمة بل هو سؤال استنكاري (ثم قال تعالى منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائغة في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدًا ثم خرجوا عن حكمه
(1) الكتاب المقدس يرد على منتقديه والقائلين بتحريفه - القس عبد المسيح بسيط أبو الخير - كاهن كنيسة العذراء الأثرية.
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري.