الصفحة 110 من 372

وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم) [1] أي أن القرآن ذكر هذا التساؤل ليدلل على خبث اليهود بعد وصفهم بأنهم سماعون للكذب ومحرفين لكلام الله يأتي القرآن ليؤكد هذا الكلام في هذه الآية وتكون تبريرًا للآية التالية أنه بسبب سلوك الكهنة والأحبار الغير سوي يذكر القرآن {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة44) .

هكذا وضحت الرؤية وهى بخلاف ما ذهب إليه القمص والقس فقصة هذه الآية توضح أن اليهود لديهم استعداد بترك ما يعتقدون أنه حكم إلهي مقدس في كتابهم لتحقيق مصالحهم التي تأتي في المقام الأول حتى لو كان من ما يروا أنه عدوهم فهم قادرون على التحريف سواء اللفظي في الترجمة العربية للتوراة إن وجدت أو قيام الكهنة المأمورين بالحكم بالتوراة بإخفاء أحكامها عن العامة وأنهم هم من بعثوا اليهود إلى الرسول وتركهم ما يقولونه لعامة اليهود أنه كتاب الله إلى ما يقولون أنه مدّعي نبوة فهم هنا ليس فقط غير مأمونين على كلام الله الذي بحوزتهم بل أيضا منافقين باستغلال مكانتهم في تضليل الآخرين عن حكم الله الحقيقي ولذلك فقد عقب القرآن أنه بسبب أخلاقيات الكهنة الفاسدة فقد أرسل النبيين إلى بني إسرائيل ولقنهم وحفظّهم أصل التوراة كما حدث مع يوحنا والمسيح كما ذكره القرآن وكما أبلغ الرسول عندما أوحى له بأصل حكم الزنى في التوراة، وذلك حتى يكونوا مرجعية لليهود في أحكام التوراة وإظهار نفاق وكذب الكهنة وهو السبب الذي جعل المؤسسة الدينية في بني إسرائيل تحارب الأنبياء وتحرض على قتلهم وهذا هو المحور الذي دار حوله الإنجيل والموضوع الرئيسي في خلاف المسيح والكتبة والفريسيين والذي أدى أولا إلى قتل يوحنا المعمدان و التأمر ومحاولة قتل المسيح لنفاجأ بعد ذلك بأتباع المسيح كما يدعي القمص والقس أو كما يقولون عن أنفسهم بالتغاضي عن كل هذا والدفاع المميت عن كتاب محرف لا لشيء إلا لمحاولة الطعن في الإسلام.

وأهم وأقرب سبب في رأيي هو محاولة الدس للرسول فلدى الكهنة أصل التوراة العبري ويخفونه عن العامة وأرادوا اختبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - كالعديد من الأسئلة التي سألوها له من قبل مثل ما الذي حرمه يعقوب من الطعام على نفسه وجعلوا المشركين يسألوها له عن أهل الكهف وذي القرنين وهنا إذا حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على اليهوديين بالحكم المتداول بالضرب والتحميم فهو ليس برسول ومدّعي نبوة وإذا حكم بالرجم كما في أصل التوراة فهو رسول وأُخبر من السماء بالحكم. ولذلك عقب القرآن على هذا الموقف بأن اليهود أرادوا الفتنة وخيّر الرسول في أن يحكم أو لا يحكم بينهم.

وتبقى نقطة مهمة في هذا الموضوع تدل على مستوى وأسلوب تفكير القمص. ففي بداية الحلقات تحدث عن استشهاده بالقرآن والتفاسير لتكون حجة على المسلمين تحت مبدأ شهد شاهد من أهله وأن هذا الاستشهاد ليس دليل على إيمانه أو اعترافه بالإسلام ولم تمضي حلقة واحدة حتى ناقض نفسه سواء عن علم أو جهل ليقول أن احتكام الرسول - صلى الله عليه وسلم - للتوراة والحكم بها دليل على صحتها والإيمان بعدم تحريفها. نسى القمص أو تغافل عن أن اليهود ذهبوا إلى الرسول وأن الرسول حكم بينهم وفقًا لشريعتهم وليس وفقًا لشريعة الإسلام وهذا قمة التسامح وهو نبي يعلم جيدًا تحريفهم لكتابهم ولم يحكم بهذا الحكم على المسلمين حتى يكون كلام القمص صحيحًا. هكذا يفكر القمص فهل قيام القضاة المسلمين بالحكم وفقًا لشرائع الأقباط في مصر دليل على الإيمان بها أو أن استشهاد القس والقمص بالقرآن دليل على الإيمان به. وماذا عن قيام بعض المحامين الأقباط بالترافع في قضايا الأسرة وفقًا للشريعة الإسلامية هل هم أيضا يؤمنون بالقرآن. فهل بعد ذلك ينسب للرسول ما لم يقله أو يفعله حقًا عجبي.

كانت هذه هى الأربع آيات التي حاول القمص أن يقصر مبدأ التحريف عليها ومن خلال ذكر تفاسير هذه الآيات المجتزئة أراد أن يقنع المسلم بفكرته حول ثبات النص وعدم تحريفه في كتابه المقدس وأن التحريف هو فقط جرد تأويل الآيات تأويلًا خاطئًا وأن الذنب يقع على المسلم الذي يتربص بالنصارى ولا يحسنوا قراءة تفاسيرهم وحاولت قدر الإمكان فضح هذه الأكاذيب وتفنيد كثير من الحجج التي استخدمها القمص والقس وما احتوته من كل أنواع الأكاذيب والقصور والتدليس ليرتد السحر على الساحر ويتضح أن الآيات التي استند عليها القمص والقس تؤكد على عكس ما يهويان وأنها تؤكد وقوع التحريف اللفظي.

(1) تفسير ابن كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت