فهرس الكتاب
يتبقى أن التفاسير ذهبت إلى ذكر هذه الآراء أيضا فهذه الأفكار راودت الكثير من المسلمين وأن القمص والقس لم يأتيان بجديد من عندهما بل لها أصل في المصادر الإسلامية. لذا كان علينا أن نتعرض لهذا التيار الفكري لنرى أبعاده وهل هى مقنعة وأسباب القول بها. ولكن يبقى القول أن الأفكار هى وليدة زمانها لذلك فقد تكون هذه الآراء نتاج ما كان متاح من معلومات لدى من قالوها فإذا ظهر الجديد في ما يخص هذه القضية كان لابد من تغيير الرأي وعدم التمسك بهذه الفكرة على إطلاقها بل الاقتناع بما استجد من أفكار مبنية على الجديد من المعلومات التي لم تكن متوفرة في السابق.
يمتلك المفسرين المسلمين أسلوب فريد هو سرد كل ما يطرح حول أحد المواضيع سواء اتفق هذا الرأي مع رأي المفسر أو لا، لذا لا نستطيع أن نقول أن المفسر قد قطع رأي نهائي حول قضية ما أو آية قرآنية بل دائما يكون رأيه مُرجح. وفي مصادر التفسير عن قضية التحريف تمحورت الآراء حول رأيين فقط سبق أن ذكرنا الرأي القائل بالتحريف اللفظي وحججه وأدلته. والآن لإكمال عرض ومناقشة كافة الآراء ينبغي عرض الرأي الآخر القائل بأن التحريف وقع بالتأويل فقط وليس بتغيير اللفظ وأن الأصل ثابت.
يعتمد هذا الرأي على آراء يعتد بها ولها ثقل مثل الفقيه ابن تيمية وصحيح البخاري وتفسير فخر الدين الرازي. ولنبدأ بعرض هذه الآراء لنبحث مدى قوة حجة هؤلاء وأسانيدهم.
ذكر الرازي في تفسيره عن الآية 75 سورة البقرة[المسألة الأولى: قال القفال: التحريف التغيير والتبديل وأصله الانحراف عن الشيء والتحريف عنه، قال تعالى (إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة) (الأنفال 16) والتحريف هو إمالة الشيء عن حقه، يقال: فلم محرف إذا كان رأسه قط مائلًا غير مستقيم.
المسألة الثانية: قال القاضي: إن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى وحمل التحريف على تغيير اللفظ أولى من حمله على تغيير المعنى، لأن كلام الله إذا كان باقيًا على جهته وغيروا تأويله فإنما يكونون مغيرين لمعناه لا لنفس الكلام المسموع، فإن أمكن أن يحمل على ذلك كما روى عن ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقضوا فهو أولى، وإن لم يمكن فيجب أن يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتًا، وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر كلام الله ظهورًا متواترًا كظهور القرآن، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس كلامه، لكن ذلك ينظر فيه، فإن كان تغييرهم له يؤثر في قيام الحجة به فلابد من أن يمنع الله تعالى منه وإن لم يؤثر في ذلك صح وقوعه. فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه، فأما تحريف المعنى فقد يصح على وجه ما لم يعلم قصد الرسول باضطرار فإنه متى علم ذلك امتنع منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول متأول تحريم لحم الخنزير والميتة والدم وغيرها.
المسألة الثالثة: أعلم إن قلنا بأن المحرفين هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام، فالأقرب أنهم حرفوا ما لا يتصل بأمر محمد - صلى الله عليه وسلم -. روى أم قومًا من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به موسى وما نهى عنه. ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس، وأما إن قلنا: المحرفون هم الذين كانوا في زمن محمد - صلى الله عليه وسلم - فالأقرب أن المراد تحريف أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وذلك إما أنهم حرفوا نعت الرسول وصفته أو لأنهم حرفوا الشرائع كما حرفوا آية الرجم. وظاهر القرآن لا يدل على أنهم أي شيء حرفوا] .
إذا أردنا وضع كلام الرازي في أسلوب بسيط بعيدًا عن التقعر والتكلف في اللغة كما كان في عصر المفسر وليناسب الزمن الحالي نقول أنه شرح في المسألة الأولى تعريف التحريف وأكد أنه تغيير اللفظ عن طريق التبديل. وفي شرح المسألة الثانية ذكر أنواع التحريف واحتمالات التحريف والشروط التي تحكمها. فحسب قول القاضي أن الكلام المسموع يتم تحريفه بتغيير أصل الكلام. وأن التحريف بالتأويل يقع فقط عندما لا يستطيع المحرف تغيير الأصل مثلما حدث مع القرآن بسبب أن القرآن نزل بصيغة وأسلوب محدد وعلى فترات. أما إذا كان بالإمكان الدخول على أصل الكلام بسبب محدودية انتشاره وصياغته بأسلوب يسهل تغييره فبالإمكان تغيير أصل الكلام. وإمكانية تغيير أصل