الصفحة 112 من 372

الكلام مرتبط بالسماح بحدوث ذلك من الله. وأما التحريف بالتأويل أو تغيير معاني الكلام فلا يقع إلا في ما هو قابل للتفسير على أكثر من احتمال أو معنى ولا يمكن وقوعه فيما هو معروف ومحدد المعنى مثل تحريم الخمر وأكل الخنزير في الإسلام.

ثم يشرح بعد ذلك الرازي احتمالات الآية هل هى فيما يخص اليهود زمن الرسول أم زمن موسى عليه السلام. ولكم كمحصلة لكلامه أن كل رأي ذكره مرتبط بشروط لابد من توافرها لتتحقق وأن هذه الشروط جميعها تحققت في حالة تحريف اللفظ فالتوراة ليست مثل القرآن نزلت مجزأة أو في صيغة لا يمكن تغييرها والدليل تهديد موسى اليهود وتحذيرهم بعدم تغيير التوراة وهذا دليل على إمكان حدوث هذا التغيير وأن التوراة كانت ولا زالت بين أيدي قلة من اليهود سواء كانوا في الهيكل أو الكهنة والحاخامات في العصر الحالي. وأن كثير من كتابات التوراة تحتمل كل المعاني وليست واضحة لعامة اليهود. وفي حالة القول بأن اليهود زمن موسى هو المقصودين فيكون تحريفهم للكلام هو تحريف لفظي فالكلام المقصود مرتبط بالسمع وبالتالي أصل الكلام. وفي القول أن المقصود هم اليهود زمن الرسول فأكد الرازي أن تغيير صفة ونعت محمد - صلى الله عليه وسلم - هو ما قام به اليهود فهو أيضا تغيير لفظ التوراة.

لذا فإن كل الشروط التي وضعها الرازي في تفسيره جميعها تؤدي وتنطبق على أن التحريف حدث في أصل ولفظ الكلام وليس في معناه.

أما ما قال الرازي في الآية 46 سورة النساء[المسألة الثالثة: في كيفية التحريف وجوه: إحداها أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر مثل تحريفهم اسم (ربعة) عن موضعه في التوراة بوضعهم (أدم طويل) مكانه، ونحو تحريفهم (الرجم) بوضعهم الحد بدله ونظيره قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله) (البقرة 79) . فإن قيل: كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب؟ قلنا لعله يقال: القوم كانوا قليلين، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلة فقدروا على هذا التحريف.

والثاني: أن المراد بالتحريف: إلقاء الشبهة الباطلة، والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعل أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم وهذا هو الأصح.

الثالث: أنهم كانوا يدخلون على النبي ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.

المسألة الرابعة: ذكر الله تعالى ههنا (عن مواضعه) وفي المائدة (من بعد مواضعه) (المائدة 41) والفرق أنّا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة فههنا قوله: (يحرفون الكلم عن مواضعه) معناه: أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب. وأما الآية المذكورة في سورة المائدة، فهى دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين، فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة، وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب، فقوله: (يحرفون الكلم) إشارة إلى التأويل الباطل وقوله: (من بعد مواضعه) إشارة إلى إخراجه عن الكتاب] .

لا أدري حقيقًا من أين استقى القمص والقس فكرة أن الرازي قال أن التحريف هو بالتأويل فقط فكل ما قال يؤكد وقوع تحريف اللفظ فمن تأكيده بالأمثلة على تحريف النص مثل (ربعة) وتغييرها إلى (أدم طويل) وكذلك (الرجم) إلى (الحد) والمعتقد حدوثه في الترجمة العربية للتوراة خاصة باليهود في المدينة والذين لا يعرفون العبرية - كما حدث في الترجمة السبعينية اليونانية لليهود في الإسكندرية - والتي كانت مثار خلاف مع اليهود حتى تم الاحتكام إلى الأصل العبري كما جاء في قصة الحكم على اليهود المتهمين بالزنى.

والثانية ما يؤكده أنه تأويل في حالة تشابه التوراة مع القرآن في عدم مقدرة تغيير النص فلا يستطيع أحد تغييره إلا بوجوه الحيل اللفظية كما يفعل أهل البدعة في زمانه مع آيات القرآن ولكن هل التوراة مثل القرآن فالقرآن تحدى به الله الأنس والجن أن يأتوا بسورة مثله وتكفل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت