الصفحة 113 من 372

بحفظه إلى يوم الدين ولكم موسى اعترف بإمكانية تغيير التوراة عندما حذر اليهود من محاولتهم فعل هذا. ولذا فلا مجال للمقارنة مع ما يفعله أهل البدع لقلة حيلتهم مع القرآن.

وأنهى الرازي الجدال بأن أكد في كلامه وقوع التحريف بنوعيه اللفظي والتأويلي فهل هناك مجال لكلام آخر يختص بتفسير فخر الدين الرازي. ورغم ذلك سوف نكمل ما قاله.

ففي تفسيره للآية 13 سورة المائدة [ (يحرفون الكلم عن مواضعه) وهذا التحريف يحتمل التأويل الباطل ويحتمل تغيير اللفظ. وقد بينا فيما تقدم أن الأول أولى لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى في تغيير اللفظ] .

هنا ربط الرازي ترجيحه لرأي أن التحريف بالتأويل بشرط أن تكون التوراة مثل القرآن منقولة بالتواتر وهو الشرط الذي لم يتحقق حسب أقواله في تفسيرات الآيات الأخرى التي أكد على أن التحريف قد وقع في اللفظ ولذا فإن الرأي القائل بتحريف اللفظ أقوى ولا يمكن للرازي التراجع عن كلامه في ما يخص تفسير آية إلا إذا كان هذا الرأي يخص هذه الآية فقط. وحتى إن حدث فإن كلامه في تفسير الآيات الأخرى يكون أكثر قوة وترجيحًا عن رأيه الثاني كما سيحدث في الآية التالية.

ذكر الرازي عن الآية 41 سورة المائدة [إذا عُرفت القصة فنقول: قوله (يحرفون الكلم من بعد مواضعه) أي وضعوا الجلد مكان الرجم] .

هذا هو الكلام فخر الدين الرازي وهو يفسر نفسه ويؤكد فكرة ورأيه في التحريف الذي أكده في أكثر من موضع تأكيدًا مدعومًا بأمثلة وكلمات لا تقبل اللبس أو التأويل أو التحريف ومن باب إضاعة الوقت أن نعود لمناقشته مرة أخرى أو إعادة إيضاحه للقارئ.

الاستدلال الثاني الداعم لرأي هذا التيار هو ما نقل عن الفقيه ابن تيمية [وقد سئل ابن تيمية عن هذه المسألة مجردًا فأجاب في فتاويه أن للعلماء في ذلك قولين، واحتج للثاني من أوجه كثيرة منها قوله تعالى (لا مبدل لكلماته) ] [1] . ولكن بالبحث في هذه الحجة لابد أولًا ن معرفة ما يراد به قول الله تعالى في الآية فمن المعروف أن الكلمات تحتمل المعنى الحقيقي للكلمة أو المعنى المجازي لها. فهل المقصود هنا كلماته بمعنى الكلام المكتوب أم بمعنى أوامره وأحكامه ولا يمكن معرفة المعنى المقصود إلا من سياق الآيات.

وبالعودة إلى الآية المذكورة، نجد أنها تكررت ثلاث مرات.

الآية الأولى {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} (الأنعام 34) .

والآية الثانية {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الأنعام 115) .

والآية الثالثة {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} (الكهف 27) .

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب (والطور وكتاب مسطور) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت