الصفحة 114 من 372

ويتضح من سياق الآيات في الآية الأولى أن المقصود هو وعد الله بالنصر ولا يوجد مجال لذكر الكتاب أو الكلمات المكتوبة. وفي الآية الثانية المقصود هو الأحكام وما تعبر عنها بالكلمات من صدق وعدل في قيمها ومبادئها. الآية الثالثة تتحدث عن الكلمات التي تُتلى فهى تعبر عن المعنى الحقيقي للفظ كلمات ولكن المقصود هنا كلمات القرآن الذي نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا يمكن أن ينسحب على التوراة. فقبل أن تنسب إلى الله التوراة لابد أن نؤمن ونتيقن أنها لم تحرف وليس العكس. فليس من المنطقي أن كل ما ينسب إلى الله هو بعيد عن التحريف وإذا اتخذنا ما يقال في القرآن حجة على صحة التوراة فدعونا لا نغفل ما ذكر في القرآن في موضع آخر {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران 78) . فهنا الجرأة على كلام الله ومحاولة تغيير هو قولًا والإدعاء على الله بأقوال كاذبة. ثم أكثر من ذلك {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} (البقرة 79) . فبعد الافتراء على الله ومحاولة أن ينسبوا إليه كلام يقال زادت الجرأة بأن يحاولوا أن ينسبوا إليه كلام مكتوب. فهل بعد ذلك يقال أنهم حافظوا على أصل التوراة سليمًا وهل يعقل أن يحافظ من يملك هذه الأخلاق على الكتاب المنزل بدون محاولة تحريفه، وهو ما حذرهم منه موسى من محاولتهم تغيير التوراة فهل إذا كان اليهود صادقين في حفظ التوراة وصادقين في تعاملهم معها كان هذا التحذير.

يتبقى لأصحاب رأي التأويل أهم أدلتهم وهى أقوال ابن عباس في صحيح البخاري (قال قتادة: مكتوب، يسطرون: يخطون في أم الكتاب، جملة الكتاب وأصله: ما يلفظ من قول. ما يتكلم من شيء إلا كتب عليه، وقال ابن عباس: يكتب الخير والشر، يحرفون: يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل ولكنهم يحرفونه: يتأولونه عن غير تأويله، دراستهم: تلاوتهم، واعية: حافظة، وتعيها: تحفظها، وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به: يعني أهل مكة، ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير) [1] .

يلاحظ هنا أن الأقوال مرسلة غير محددة عن أصحابها فهناك قتادة وهناك ابن عباس وشرح للكلمات وهناك فاصل بين كلام ابن عباس وما بعده فهل قول ابن عباس مرتبط فقط بيكتب الخير والشر أم بباقي الكلام وهل باقي الكلام شروح من البخاري أم لا فالكلام غير واضح أو محدد لمن ينسب لذا سنفترض أن القول (وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل ولكنهم يحرفونه: يتأولونه عن غير تأويله) هو شرح من البخاري، فهذا يناقض قول آخر للبخاري سوف يشير إليه القس مستقبلًا [ (مهيمنًا عليه) حاكمًا عليه وشاهدًا بالصحة والثبات أو التحريف والتبديل والاختلاق] . فيتضح هنا أن البخاري يتحدث عن التبديل والاختلاق في الكتاب المقدس وهذا تغيير للفظ وليس تأويله فقط.

وإذا افترضنا أن ابن عباس هو من ذكر هذا القول فهى تتناقض مع أقوال أخرى لابن عباس في مواضع أخرى من نفس المصدر.

(حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم - صلى الله عليه وسلم - أحدث الأخبار بالله محضًا لم يشب وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتاب الله وغيروا فكتبوا بأيديهم وقالوا: هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا. أولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسئلتهم. فلا والله ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم) [2] .

وتكرر نفس الكلام في موضع آخر (حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم أخبرنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدث، تقرؤونه محضًا لم يشب وقد حدثكم أن

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب والطور وكتاب مسطور.

(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب (كل يوم هو في شأن) - حديث 7523.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت