الصفحة 115 من 372

أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم) [1] .

يتضح هنا أن أقوال ابن عباس على طرف نقيض للقول المنسوب إليه مسبقًا وعلى العكس منها فهذه الأقوال موثقة بأسماء الرواة وكذلك من أشخاص مختلفين في كل حديث وهى تختلف كليًا عن الأقوال المرسلة الغير مسندة لرواة. ومن أجل صحة وموثوقية أقوال ابن عباس هذه استخدمت كدليل في كثير من كتب المفسرين مثل ابن كثير وغيره وذكرهم القس في السابق بل أن هذا الحديث جاء في تفسير الرازي الذي استدل به القمص والقس على صحة آرائهم.

لذلك فإذا أردنا الاستدلال بأقوال ابن عباس تكون أقواله التي تؤكد التحريف اللفظي هى الأصح والأوثق وإذا رفضنا الاستدلال بها لثبوت تعارضها وبالتالي فقدان مصداقية قائلها يكون الاستدلال بها من جهة أصحاب رأي التأويل لا قيمة لها.

هذه هى أهم الأدلة التي بنى عليها أصحاب رأي التحريف بالتأويل حجتهم وتم الاستدلال بها في أغلب كتابات مؤيدي هذا الرأي. وهى كما نرى تقوم على أساس افتراضي واهي لا يقوم على فكر حقيقي سرعان ما تقوض عندما اصطدم بحقائق ثابتة. وجدير بالإشارة أن الردود على هذه الأدلة لم تكن حديثًا فقط بل هى ردود متواصلة ومتزامنة مع الرأي الآخر القائل بثبات الأصل وتحريف التأويل. وتمت مناقشته في كثير من كتب التراث الإسلامي. ففي كتاب (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) وفي كتاب التوحيد ونفس الباب الذي أخذ منه القمص والقس الحديث عن ابن عباس يوجد نقاش طويل وشرح وافي في الرد على هذا الرأي. ويبقى أن كل الردود التي ذكرت فيه تحتمل الجدل والدخول في متاهات غير حاسمة للوصول إلى نتيجة فيكون ضرر الخوض فيها أكثر من فائدتها، يُستثنى منها رأي قد يكون هو الحاسم في هذا الجدل بين كل الآراء.

[ويقال لهؤلاء المنكرين قد قال الله تعالى في صفة الصحابة (ذلك مثلهم ي التوراة ومثلهم ي الإنجيل كزرع أخرج شطأه) إلى أخر السورة، وليس بأيدي اليهود والنصارى شيء من هذا ويقال لمن ادعى أن نقلهم نقل متواتر قد اتفقوا على أن لا ذكر لمحمد - صلى الله عليه وسلم - في الكتابين فإن صدقتموهم فيما بأيديهم لكونه نُقل نقل المتواتر فصدقوهم فيما زعموه أن لا ذكر لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولا لأصحابه، وإلا فلا يجوز تصديق بعض وتكذيب بعض مع مجيئهما مجيئًا واحدًا] .

حسم هذا الرأي اللغط حول التوراة الذي دار وقام على أساس خاطئ فهذا الجدل العقيم أقيم على أساس إما التصديق أو التكذيب بدون أمر وسط، فرغم قول الرسول بأن لا تصدقوهم دليل التحريف، قال ولا تكذبوهم دليل التصديق، فيفهم من هذا أن التوراة جمعت الشيئين. أن هناك كثير من الأكاذيب بنيت على أساس صحيح إلهي وكان الدليل القاطع على تحريف التوراة هو وصف الرسول والإشارة إليه في الكتب السابقة والذي ذكره القرآن صراحة.

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف 157) .

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري - كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء - الحديث 7363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت