فهرس الكتاب
يتضح من كافة المعاجم أن هناك اختلاف في معنى الكلمة باختلاف التشكيل والنطق فمصدِّق معنا أن أصدق أقوالك ولا أشهد أنها صحيحة. أما مصدَّق فمعناها أن أشهد على صحة كلامك. ويلاحظ في كل الآيات في القرآن تأتي كلمة مصدِّق بالكسرة وتفريعاتها مثل تصدِّيق وغيرها، فيفهم من هذا أن القرآن يذكر أنه يصدِّق كل ما تذكره الكتب السابقة المنزلة من أحداث وأحكام وأنها من السماء.
وهنا لابد من إعادة تأكيد أن القرآن والرسول يؤكدان على مصدرية الكتب السابقة أنها من السماء حتى ولو لم تكن موجودة مثل صحف إبراهيم. ومصداقية الرسل السابقين في إبلاغهم هذه الكتب لأتباعهم. فالقضية ليست في مصدرية هذه الكتب بل القضية في التأكد من محافظة أتباعهم عليها من التغيير والتبديل أو تدخل العنصر البشري بحسن أو سوء نية في تغييرها وبالتالي تكون قد فقدت العصمة والحصانة الإلهية فلم تعد تصلح أن تنسب إلى الله. وتكون مرجعية قيمية للبشر فقط في الأخلاق والأحكام. هذه هى نقطة الاختلاف والخلاف فكل من يحاول أن يشتت الانتباه عن هذا إلى أمور فرعية يحاول الهروب من مواجهة المشكلة الأساسية والرد عليها لعجزه عن الرد.
والجدير بالذكر أن كل الرسل والكتب كانت تصدق من سبقها وأن الرسل السابقين كانوا يبشرون بمن سيجيء بعدهم. حدث هذا مع المسيح، فرغم الشهادات التي ذكرها رجال الدين المسيحي عن المسيح في العهد القديم لم يؤمن به اليهود وحاولوا قتله ولكن المسيح في الإنجيل يؤكد على تصديق العهد القديم [لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل (متى 5: 17 - 18) ] . وكذلك قوله عن يعقوب [إن أول كل الوصايا هى: اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد (مرقس 12: 29) ] .
وتكرر الأمر نفسه مع الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - فرغم تأكيد القرآن على أن موسى وعيسى بشرا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ومكتوب صفته في كتبهم. ورغم إنكار أصحاب الديانات السابقة لهذه البشائر والدلائل. فإن القرآن جاء ليصدِّق أقوال كل الرسل والكتب السابقة التي نزلت عليهم {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة 285) .
وقبل أن يقفز البعض إلى نتائج غير صحيحة ويقول: حسنًا هناك اتفاق على شيء في النهاية. نقول أن التصدِّيق ليس مطلق، فقد تصدِّق من يحدثك ويكون هو كاذب في بعض الأمور. وهنا يظهر الاختلاف بين مصدِّق ومصدَّق به. فيكون كلام القمص والقس صحيح عن شهادة القرآن لصحة محتوى الكتاب المقدس إذا ذكر القرآن كلمة مصدَّق به مثل أن يقول (الكتاب المقدس مصدَّق به من الرسول أو القرآن) أو (القرآن صدَّق على التوراة) ولكن لم يقل أو يستخدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو القرآن كلمة مصدَّق على الإطلاق بل وضع القرآن شرط أساسي للتصديق على الكتب السابقة وهو أن تكون في صورتها المصدرية كما أنزلت أو أعطيت وإلا فهو يؤمن بهذه الكتب من حيث المبدأ وليس بمحتواها {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (العنكبوت 46) .
ولكن كيف نتأكد أن الكتب السابقة لازالت في صورتها المنزلة من السماء كما يدعى أصحابها فلديهم دلائل يسوقها البعض على صحتها مثل طلب القرآن سؤال أصحاب الكتب السابقة عن وقائع في قصص أنبيائهم وكذلك حكم الرجم في التوراة. وهناك من يقول عكس ذلك مستشهدًا بأشياء يندى لها الجبين في الكتاب المقدس مثل زنى بنات لوط بأبيهم وأفعال داود النبي مع زوجة قائده يوريا والتأمر على قتله. فحسم القرآن هذا الجدل وجعل هناك مرجعية لمعرفة صحة ما هو المذكور في الكتب السابقة من عدمه. هذه المرجعية هى القرآن نفسه بأن يكون مهيمنًا على ما سبقه من كتب. وهذا حدث مع المسيح ويوحنا عندما علمهما الله التوراة في صورتها الأصلية. فتكون مرجعية السماء القول الفصل في مسألة التحريف فإذا كانت الكتب السابقة سليمة لم تحرف فلماذا الاحتياج أصلًا لأنبياء جدد وكتب سماوية جديدة فيلاحظ أن أكثر الشعوب التي جاءها أنبياء هو بني إسرائيل وهو شعب مؤمن بالتوحيد فلا يحدث هذا إلا تأكيد على وقوع التحريف والتغيير والتبديل في التوراة فاحتاج الأمر إلى إعادة الأمور إلى نصابها. فمبدأ مرجعية السماء يؤكده والقرآن يؤكده تفسير الآية (وقال ابن جرير: القرآن أمين على الكتب