فهرس الكتاب
بدأت القصة بمحاولة اليهود اختبار الرسول حول أحكام التوراة وكشف الله للرسول مكائد اليهود عندما أعلمه بأصل حكم الرجم في التوراة والذي حاول اليهود أن يخفوه. لنبدأ أولى المحطات التي توقف عندها القمص بخصوص الآية 43 {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} . وكما شرحنا سابقًا أن هذا القول ليس إقرارًا بصحة التوراة بقدر فضح فساد أخلاق اليهود الذين يفضلون الأحكام وفق هواهم بصرف النظر عن مصدرية هذا الحكم كما ذكر المفسرين.
البيضاوي: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به، والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع، وإنما طلبوا به ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم الله تعالى في زعمهم.
الزمخشري: (وكيف يحكمونك) تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه، مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدعون الإيمان به (ثم يتولون من بعد ذلك) ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم، لا يرضون به (وما أولئك بالمؤمنين) بكتابهم كما يدعون.
المنتخب: عجبًا لهم! كيف يطلبون حكمك، مع أن حكم الله منصوص عليه عندهم في التوراة؟ والعجب من أمرهم أنهم يعرضون عن حكمك إذا لم يوافق هواهم، مع أنه موافق لما في كتبهم، وهؤلاء ليسوا من المؤمنين الذين يذعنون للحق.
فالآية هنا توبخ اليهود ورغم ذلك فقد سبق أن شرحنا أن التحريف هو خلط الصادق بالكاذب وعليه فما هو صادق يظل كلام الله أو حكم الله ولكن صدق البعض لا يعطي مصداقية للكل. لهذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا تكذبوهم ولا تصدقوهم. فإذا كان الكتاب على حال واحد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ذكر فعل واحد إما التصديق أو التكذيب.
كانت قصة زنى يهود خيبر وما أثير من لغط حول التحكيم مدخل للقرآن لتوضيح فساد أخلاق اليهود ورجال الدين لديهم وكذلك النصارى وما تكرر مع رهبانهم وآباء الكنيسة لديهم ليوضح للمسلمين أفعال السابقين يحذرهم منهم ومن أفعالهم. وهنا نصل إلى المحطة الثانية وهى الآية التي ذكرها القمص عن التوراة.
{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة 44) .
اختلف المفسرون حول العطف فيما يخص الربانيون والأحبار هل هم معطوفون على الذين هادوا فيكون المعنى أن النبيون يحكمون على الربانيون والأحبار. أم أن العطف على النبيون فيكون المعنى أن الربانيون والأحبار يحكمون أيضا للذين هادوا.
النسفي: (يحكم بها النبيون الذين أسلموا) انقادوا لحكم الله في التوراة وهو صفة إجريت للنبيين على سبيل المدح، وأريد بها التعريض باليهود لأنهم بعداء عن ملة الإسلام التي هى دين الأنبياء كلهم (للذين هادوا) تابوا عن الكفر، واللام تتعلق بـ (يحكم) (والربانيون والأحبار) معطوفان على النبيون، أي الزهاد والعلماء (بما إستحفظوا) استودعوا.