الصفحة 141 من 372

الدر المنثور: (يحكم بها النبيون) يحكمون بما في التوراة من لدن موسى إلى عيسى (للذين هادوا) لهم وعليهم، ثم قال ويحكم بها (الربانيون والأحبار) أيضا بالتوراة.

هذا الرأي يخالفه رأيًا آخر.

الجلالين: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى) من الضلالة (ونور) بيان للأحكام (يحكم بها النبيون) من بني إسرائيل (الذين أسلموا) انقادوا إلى الله (للذين هادوا والربانيون) العلماء منهم (والأحبار) الفقهاء (بما) أي بسبب الذي (إستحفظوا) استودعوه أي إستحفظهم الله إياه (من كتاب الله) أن يبدلوه (وكانوا عليه شهداء) أنه حق.

أي الرأيان أقرب إلى الصحة. إن الرأي الثاني الذي ذكره الجلالين هو أقرب إلى الصحة لأنه يتسق مع سياق الآيات التي تفضح اليهود ونفاقهم كما وضح في قضية زنى يهود خيبر. فالآية تتحدث أن الآحبار والربانيون -كما ثبت تلاعبهم في حكم التوراة- غير أمنين عليها ولذلك فإن الله أرسل النبيون الذين إستحفظهم التوراة ليكونوا حكم وشاهد وحجة على الأحبار والربانيون مثلما حدث مع يوحنا المعمدان والمسيح. والدليل أن العطف على النبيون مكسور بأنهم الذين أسلموا. فهل الأحبار والربانيون يتشاركون في هذه الصفة مع النبيون وأنهم إستحفظوا التوراة مثلهم أيضا. هذا فهم غير منطقي ويعارضه القرآن والإنجيل فهما يؤكدان أن يوحنا والمسيح إستحفظوا وتعلموا التوراة من السماء وأنهم حكموا بها لليهود ودخلوا في صدام مع الكهنة في الهيكل. ولا يمكن عطف الأحبار والربانيون على النبيون لأنه سينفي سبب إرسالهم، فإذا كان الأحبار والربانيون أسلموا وإستحفظوا التوراة وحكموا بها لليهود فما الحاجة لإرسال النبيون وهم حافظين للتوراة.

فالرأي الراجح هو أن النبيون الذين أسلموا وحفظوا التوراة من السماء أُرسلوا ليكونوا حكمًا على اليهود والأحبار والربانيون. وهو ما تحقق مع كثير من أنبياء بني إسرائيل، وكانوا دائما محل صدام مع الهيكل وهو المؤسسة الدينية اليهودية. وكان هذا الصدام ينتهي بقتل أو محاولة قتل النبي الذي يفضح نفاق الكهنة وتلاعبهم بالدين كما قال المسيح عن قتل زكريا وكما حدث مع يوحنا الذي قطعت رقبته بسبب معارضته مخالفة أحكام التوراة وحتى المسيح الذي حاول الكهنة قتله ويؤمن النصارى أنه صلب.

وإذا اعتقد البعض أن الخلاف بين الرأيين لا قيمة له أقول لهم أن الفارق شاسع فهو يفصل ما بين طريقين وفسطاطين فإما أن يعطف الربانيون والأحبار على النبيون فيدخلون في فسطاط التقوى وإستحفاظ التوراة أو يعطفون على الذين هادوا فيدخلون في فسطاط الجهل والفساد والانحراف.

ولكي ننهي هذا الجدل وتتضح أمامنا الرؤية ما بين الرأيين علينا أن لا نغفل وصف الربانيون والأحبار في موقع آخر في القرآن ليجلوا لنا حقيقتهم. فالآية 63 سورة المائدة تقول. {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} . فهذه الآية توضح بجلاء إلى أي مدى وصلت المؤسسة الدينية لبني إسرائيل والمنوط بها رعاية الدين والحفاظ عليه من تهالك. كما ذكرت التفاسير.

الطبري: قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هلّا ينهي هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل الرشا في الحكم، من اليهود من بني إسرائيل، 1 - الربانيون وهم أئمتهم المؤمنون، وساستهم العلماء بسياستهم، 2 - وأحبارهم، وهم علمائهم وقوادهم، 3 - (عن قولهم الإثم) يعني عن قول الكذب والزور، وذلك أنهم كانوا يحكمون فيهم بغير حكم الله ويكتبون كتبًا بأيديهم ثم يقولون: (هذا من حكم الله وهذا من كتبه) .

ويضيف الطبري: وأما قوله: (وأكلهم السحت) فإنه يعني به الرشوة التي كانوا يأخذونها على حكمهم بغير كتاب الله لمن حكموا له به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت