الصفحة 142 من 372

ويضيف أيضًا: (لبئس ما كانوا يصنعون) ، وهذا قسم من الله أقسم به. يقول تعالى ذكره: أقسم: لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار، في تركهم نهي الذين يسارعون منهم في الإثم والعدوان وأكل السحت، عما كانوا يفعلون من ذلك.

ابن عباس: (لولا ينهاهم) هلّا ينهاهم (الربانيون) أصحاب الصوامع (والأحبار) العلماء (عن قولهم الإثم) الشرك (وأكلهم السحت) الرشوة والحرام (لبئس ما كانوا يصنعون) في تركهم ذلك.

المنتخب: أما كان ينبغي أن ينهاهم علماؤهم وأحبارهم عن قول الكذب وأكل الحرام، لبئس ما كانوا يصنعون من ترك النصيحة والنهي عن المعصية.

الرازي: معنى (لولا) ها هنا التحضيض والتوبيخ، وهو بمعنى هلّا والكلام في تفسير الربانيين والأحبار قد تقدم. قال الحسن: الربانيون، والأحبار علماء أهل التوراة. وقال غيره: كله من اليهود لأنه متصل بذكرهم، والمعنى أن الله تعالى استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم من المعاصي، وذلك يدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه، لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد. بل نقول: إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى لأنه تعالى قال في المُقْدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت (لبئس ما كانوا يعملون) (المائدة 62) . وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر (لبئس ما كانوا يصنعون) والصنع أقوى من العمل لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرًا راسخًا متمكنًا، فجعل جرم العاملين ذنبًا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبًا راسخًا، والأمر في الحقيقة كذلك لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ومازالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فمازال، فكما أن هناك يحصل العلم بأن المرض صعب شديد لا يكاد يزول، فكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة.

السمرقندي: (لولا ينهاهم الربانيون) يعني: هلّا ينهاهم الربانيون يعني: علمائهم وعُبْادهم، وإنما شكا من علماء السوء الذين لا يأمرون بالمعروف، ويجالسونهم ويؤاكلونهم، وكل عالم لم يأمر بالمعروف، ويجالس أهل الظلم، والمعصية فإنه يدخل في هذه الآية.

هل بعد كل هذه الأوصاف هناك قول يقال، فالربانيون والأحبار خانوا الأمانة التي حملوها ولم يكتفوا بذلك بل كانوا مساعدين للفسق والفجور والمعصية. تماما كالدواء الفاسد الذي يقتل ولا يعالج. فلا يوجد حل إلا استئصال الورم حتى لا يصاب كل الجسد. وهو ما أشارت إليه الآية بإرسال الأنبياء لبني إسرائيل وهم يحفظون أصل التوراة من المصدر السماوي ليكونوا حكمًا لليهود والربانيون والأحبار وحكمًا عليهم ولكنهم اصطدموا بسوء خلق العامة والنخبة فكان فريق يقتلون وفريق يكذبون حتى جاءهم المسيح بالإعجاز في كل شيء من الميلاد إلى الرفع ليكون فرصتهم الأخيرة.

وهنا نصل إلى المحطة التالية والآية التي أشار إليها القمص {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (المائدة47) . ويلاحظ هنا قول الله (بما أنزل الله فيه) أي الصفة المصدرية ولم يقل (بما فيه) دليل على أن الموجود في الإنجيل ليس كل ما نزل من السماء. فكان لابد من إرجاع الأحكام إلى المصدرية وهو الإنجيل الأصلي الذي نزل من السماء فهل فعل النصارى ذلك. يقول المفسرون

الطبري: وأتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة كي يحكم أهله بما فيه من حكم الله. وذلك أن الله تعالى لم ينزل كتابًا على نبي من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أمروا بالعمل بما فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت