فهرس الكتاب
المنتخب: وأمرنا أتباع عيسى وأصحاب الإنجيل بأن يحكموا بما أنزل الله فيه من أحكام، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الخارجون المتمردون على شريعة الله.
كان هذا هو الرجاء والأمل من إرسال المسيح ليكون الفرصة الأخيرة لبني إسرائيل ولكن يبدوا أن المرض قد انتشر ووصل للنخاع ولم يعد يجدي معه علاج وكان لابد من إعلان أنهم حالة ميئوس منها. فما حدث مع اليهود تكرر مع النصارى وأصبحت هناك مؤسسة دينية أخرى هى الكنيسة ورجالها من الإكليروس. واتخذ النصارى أحبارهم وقساوستهم أربابًا من دون الله يحللون ويحرمون على هواهم وأهوائهم بل وصل بهم الأمر إلى ما ذكرته الآية 34 سورة التوبة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} .
فماذا يقول المفسرين عن هذه الآية واكتشف عزيزي القارئ لماذا يصر الشيخ زكريا بطرس على إيجاد تفسير عصري للقرآن شريطة أن يكون على هواه وهوى من معه. وهو ما حذر منه القرآن كما سيظهر لاحقًا.
المنتخب: يا أيها المؤمنون: اعلموا أن كثيرًا من علماء اليهود ورهبان النصارى يستحلون أموال الناس بغير حق، ويستغلون ثقة الناس فيهم وإتباعهم لهم في كل ما يقولون، ويمنعون الناس عن الدخول في الإسلام. والذين يستحوذون على الأموال من ذهب وفضة، حابسين لها، ولا يؤدون زكاتها، فأنذرهم -أيها الرسول- بعذاب موجع.
ابن عباس: (يا أيها الذين أمنوا) بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن (إن كثيرًا من الأحبار) علماء اليهود (والرهبان) أصحاب الصوامع (ليأكلون أموال الناس بالباطل) بالرشوة والحرام (ويصدون عن سبيل الله) عن دين الله وطاعته (والذين يكنزون) يجمعون (الذهب والفضة ولا ينفقونها) يعني الكنوز (في سبيل الله) في طاعة الله ويقال ولا يؤدون زكاتها (فبشرهم) يا محمد (بعذاب أليم) وجيع.
الرازي: أعلم إنه تعالى لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وإدعاء الربوبية والترفع على الخلق، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس، تنبيهًا على أن المقصود من إظهار تلك الربوبية والتجبر في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وفي شرح أحوالهم فترى الواحد منهم يدّعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله.
ما أشبه الليلة بالبارحة فكأننا نرى أنفسنا في مرآة أو كأن الرازي يعيش بيننا الآن ونرى أقواله ماثلة أمام أعيننا من تهالك وصراعات حول المناصب الكهنوتية والاستيلاء على أموال النذور والموالد المسيحية في الكنيسة القبطية إلى اتهامات بالرشاوي وغيرها الكثير نهاية إلى محلات الذهب والأعمال التجارية التي تؤكد تحول الدين إلى بضاعة وصناعة يشتغل بها رجال يدعون الزهد عن متاع الدنيا والانقطاع إلى عبادة الله. حتى أن القبط أصبحوا يتسألون عن أموالهم فاضحين قداسة هؤلاء، فإذا كانوا مقدسين فمن العار أن يشك في ذمتهم أحد. أما وقد شكوا في ذمتهم المالية فكيف يطمئنوا على ذمتهم الدينية وهل هم مأمونين على إرشادهم لطريق الملكوت كما يدّعون. لقد سقطت الأقنعة وما خفى كان أعظم وكُتب في هذا الكثير من الكتب التي طرد أصحابها من الكنيسة. ليس هذا فحسب بل لأجل المحافظة على هذا النهر المتدفق من الأموال استخدموا كل الوسائل الوضيعة للوقيعة بين المسلمين والنصارى. فكأن القرآن يتحدث عن الكنيسة القبطية، فهاهم يكنزون الذهب والفضة ويصدون عن سبيل الله حتى يستمر تدفق الأموال على رجال الكنيسة وحاشيتها ولا قيمة هنا للدين الذي باعوه ليشتروا به ثمن بخس.
يتضح مما سبق أن القرآن استخدم الآيتين في إطار أكبر لتعليم المسلمين تجارب وسوابق أصحاب الكتاب من اليهود والنصارى وما آل إليه حالهم. وكذلك تحذيرًا لهم من الإقتداء بهم وإتباع طريقهم وإلا فإن نهايتهم ستكون مثلهم. مثل اليهود كانوا لا يتناهون عن منكر يفعلونه ولذلك أرسل لهم الله النبيون للحكم لهم تذكيرهم بصحيح التوراة فقتلهم الكهنة واختار الشعب أن يسير خلفهم وتركوا الرسل مثلما حدث مع المسيح وكثير من الأنبياء قبله كزكريا الذي قال المسيح أنهم قتلوه عند المذبح ويوحنا المعمدان الذي قطعت رأسه ومحاولة قتل المسيح ذاته.