فهرس الكتاب
وتنزّل: نزل في مُهلة [1] .
نزل ينزل نزولًا ومنزلًا، نزّله تنزّيلًا، والتنزّيل أيضًا الترتيب، والتنزّل النزول في مُهلة [2] .
هذه هى كافة أوجه تعريف فعل النزول, ويلاحظ هنا الفرق الكبير بين فعل أنزل إنزالًا أو نزولًا. وفعل نزّله تنزّيلًا وهما الفعلين اللذان ارتبطا بالوحي والكتاب المقدس والقرآن ومَن يدرس القرآن يجد أن كافة الآيات المرتبطة بالكتاب المقدس من توراة وإنجيل وكتب الأنبياء سواء مذكورة مثل داود أو غير مذكورة مثل صحف إبراهيم لم تقترن إلا بفعل (أنزل) ومشتقاته. وأن ما هو مختص بالقرآن مرتبط بفعل (نزّل) أو (تنزّل) بالتشديد ومشتقاته.
يستثنى من ذلك الآية 93 سورة آل عمران {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} . فهنا الآية غير مرتبطة بالوحي أو إنزالها على النبي بل ارتباط بحدث عن النبي يعقوب أو إسرائيل. والمقصود هنا قبل أن ينزّل الله التوراة أي يبدأ الوحي بها إلى موسى. أما حالات الاقتران المباشر بالوحي إلى الأنبياء أو الاقتران بأسمائهم، فلم يأتي ذكر فعل (نزّل أو ننزّل أو تنزّل أو تنزيلًا) . وذلك لسببين، السبب الأول أن القرآن هو الوحيد الذي نزل في فترة زمنية امتدت طوال 22 عامًا ومرتبط بمدى تطور المجتمع الإسلامي، بعكس التوراة التي جاء بها موسى في الألواح والمكتوبة بأصبع الرب وكذلك الإنجيل وغيرهما. والسبب الثاني هو الفارق في المعنى بين الفعلين، ففعل (أنزل) يرتبط دائما بالمفعول أما فعل نزّل فهو يرتبط دائما بالفاعل. فدائما تأتي كلمة (أنزل التوراة) أو (أنزل الإنجيل) فيأتي المفعول بعد فعل (أنزل) . أما فعل (نزّل) بالتشديد فهو يأتي بعده الفاعل كما ذكر في سورة الحجر (إنا نحن نزّلنا الذكر) وغيرها الكثير من الآيات في القرآن ولا مجال هنا لذكرها.
أما السبب في الفارق في استخدام الفعل بخلاف طول زمن وحي القرآن عن التوراة والإنجيل اللذان نزلا جملة واحدة، فهو أن نزول التوراة والإنجيل يعتبر ماضي للقرآن فالإقرار هنا بأن الله أنزلهما من السماء أما بالنسبة للقرآن، فالجدال مع كفار قريش متزامن مع الوحي به لذلك كان لابد من الإقرار المستمد من الفاعل الذي أوحى به والتشديد على ذلك. فتطلب الأمر التأكيد على أن النزول منسوب إلى الله فكان دائما يأتي القرآن مقترن بالفعل المنسوب إلى الفاعل وليس الفعل (أنزل) المرتبط دائما بالمفعول.
هذا التوضيح مرتبط بمطلق الكلام والتعريفات للأفعال. فإذا أجملنا بحثنا عن هذه النقطة التي نناقشها نجد أن القرآن اختص التوراة أو كتاب موسى بكلمة الذكر ولم يأتي أي وصف للإنجيل أنه ذكر أو حتى كتاب من الله وكذلك لم يرتبط أي كتاب سابق إلا بفعل أنزل ونزولًا ومشتقاته وأن الفعل المشدد مثل نزّل وتنزّل وتنزّيلا خاص بالقرآن دون غيره. وبخصوص الآية التى ذكرها القمص فهى تأتي في إطار الحديث عن القرآن والجدال حوله مع مشركين قريش. فيتضح من كل ما سبق أن ما قيل عن الحفظ سواء لغويًا أو معنويًا لا علاقة لها من قريب أو بعيد بكتاب القمص المقدس ولا مجال لمحاولته التمسح بتشابه أوصاف التوراة مع القرآن للإدعاء بأن الله يحفظ كتابه المقدس.
والغريب والطريف في آن واحد أن الشيخ زكريا بطرس الذي يحاول هنا إقناعنا أن كتابه المقدس يدخل في إطار القسم الإلهي بحفظ الذكر الذي يشمل القرآن والتوراة والإنجيل. لن تمر حلقات قليلة حتى يستخدم نفس الآية للطعن في القرآن والتدليل على تعارضه.
[ده فيه تصادم كمان مع حاجة تانية. سورة الحِجر آية 9 اللي بتقول (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) . وحافظون يعني إيه، يفسروا لحافظون يعني إيه المفسرين. ما هو معندهمش إلمام بالقضايا كلها. ما هو بيفسروا على الأد. يقولك أي يحفظه من التبديل والتغيير والتحوير. أمال الناسخ والمنسوخ إيه. هذه نقرة وتلك نقرة. ملمتش وياهم, ملموش. أصل المشكلة إن الإنسان لازم يبقى عنده عقلية تجميعية،
(1) القاموس المحيط.
(2) مختار الصحاح.