فهرس الكتاب
[يتبقى لأصحاب رأي التأويل أهم أدلتهم وهى أقوال ابن عباس في صحيح البخاري (قال قتادة: مكتوب، يسطرون: يخطون في أم الكتاب، جملة الكتاب وأصله: ما يلفظ من قول. ما يتكلم من شيء إلا كتب عليه، وقال ابن عباس: يكتب الخير والشر، يحرفون: يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل ولكنهم يحرفونه: يتأولونه عن غير تأويله، دراستهم: تلاوتهم، واعية: حافظة، وتعيها: تحفظها، وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به: يعني أهل مكة، ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير) [1] .
يلاحظ هنا أن الأقوال مرسلة غير محددة عن أصحابها فهناك قتادة وهناك ابن عباس وشرح للكلمات وهناك فاصل بين كلام ابن عباس وما بعده فهل قول ابن عباس مرتبط فقط بيكتب الخير والشر أم بباقي الكلام وهل باقي الكلام شروح من البخاري أم لا فالكلام غير واضح أو محدد لمن ينسب لذا سنفترض أن القول (وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل ولكنهم يحرفونه: يتأولونه عن غير تأويله) هو شرح من البخاري، فهذا يناقض قول آخر للبخاري سوف يشير إليه القس مستقبلًا [ (مهيمنًا عليه) حاكمًا عليه وشاهدًا بالصحة والثبات أو التحريف والتبديل والاختلاق] . فيتضح هنا أن البخاري يتحدث عن التبديل والاختلاق في الكتاب المقدس وهذا تغيير للفظ وليس تأويله فقط.
وإذا افترضنا أن ابن عباس هو من ذكر هذا القول فهى تتناقض مع أقوال أخرى لابن عباس في مواضع أخرى من نفس المصدر.
(حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم - صلى الله عليه وسلم - أحدث الأخبار بالله محضًا لم يشب وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتاب الله وغيروا فكتبوا بأيديهم وقالوا: هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا. أولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم. فلا والله ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم) [2] .
وتكرر نفس الكلام في موضع آخر (حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم أخبرنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدث، تقرؤونه محضًا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم) [3] .
يتضح هنا أن أقوال ابن عباس على طرف نقيض للقول المنسوب إليه مسبقًا وعلى العكس منها فهذه الأقوال موثقة بأسماء الرواة وكذلك من أشخاص مختلفين في كل حديث وهى تختلف كليًا عن الأقوال المرسلة الغير مسندة لرواة. ومن أجل صحة وموثوقية أقوال ابن عباس هذه استخدمت كدليل في كثير من كتب المفسرين مثل ابن كثير وغيره وذكرهم القس في السابق بل أن هذا الحديث جاء في تفسير الرازي الذي استدل به القمص والقس على صحة آرائهم.
لذلك فإذا أردنا الاستدلال بأقوال ابن عباس تكون أقواله التي تؤكد التحريف اللفظي هى الأصح والأوثق وإذا رفضنا الاستدلال بها لثبوت تعارضها وبالتالي فقدان مصداقية قائلها يكون الاستدلال بها من جهة أصحاب رأي التأويل لا قيمة لها.]
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب والطور وكتاب مسطور.
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب (كل يوم هو في شأن) - حديث 7523.
(3) فتح الباري بشرح صحيح البخاري - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء - الحديث 7363.