فهرس الكتاب
وحول فتوى ابن تيمية في كتاب فتح الباري فقد رددنا عليها بقولنا.
الاستدلال الثاني الداعم لرأي هذا التيار هو ما نقل عن الفقيه ابن تيمية [وقد سئل ابن تيمية عن هذه المسألة مجردًا فأجاب في فتاويه أن للعلماء في ذلك قولين، واحتج للثاني من أوجه كثيرة منها قوله تعالى (لا مبدل لكلماته) ] [1] . ولكن بالبحث في هذه الحجة لابد أولًا ن معرفة ما يراد به قول الله تعالى في الآية فمن المعروف أن الكلمات تحتمل المعنى الحقيقي للكلمة أو المعنى المجازي لها. فهل المقصود هنا كلماته بمعنى الكلام المكتوب أم بمعنى أوامره وأحكامه ولا يمكن معرفة المعنى المقصود إلا من سياق الآيات.
وبالعودة إلى الآية المذكورة، نجد أنها تكررت ثلاث مرات.
الآية الأولى {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} (الأنعام 34) .
والآية الثانية {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الأنعام 115) .
والآية الثالثة {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} (الكهف 27) .
ويتضح من سياق الآيات في الآية الأولى أن المقصود هو وعد الله بالنصر ولا يوجد مجال لذكر الكتاب أو الكلمات المكتوبة. وفي الآية الثانية المقصود هو الأحكام وما تعبر عنها بالكلمات من صدق وعدل في قيمها ومبادئها. الآية الثالثة تتحدث عن الكلمات التي تُتلى فهى تعبر عن المعنى الحقيقي للفظ كلمات ولكن المقصود هنا كلمات القرآن الذي نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا يمكن أن ينسحب على التوراة. فقبل أن تنسب إلى الله التوراة لابد أن نؤمن ونتيقن أنها لم تحرف وليس العكس. فليس من المنطقي أن كل ما ينسب إلى الله هو بعيد عن التحريف وإذا اتخذنا ما يقال في القرآن حجة على صحة التوراة فدعونا لا نغفل ما ذكر في القرآن في موضع آخر {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران 78) . فهنا الجرأة على كلام الله ومحاولة تغيير هو قولًا والإدعاء على الله بأقوال كاذبة. ثم أكثر من ذلك {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} (البقرة 79) . فبعد الافتراء على الله ومحاولة أن ينسبوا إليه كلام يقال زادت الجرأة بأن يحاولوا أن ينسبوا إليه كلام مكتوب. فهل بعد ذلك يقال أنهم حافظوا على أصل التوراة سليمًا وهل يعقل أن يحافظ من يملك هذه الأخلاق على الكتاب المنزل بدون محاولة تحريفه، وهو ما حذرهم منه موسى من محاولتهم تغيير التوراة فهل إذا كان اليهود صادقين في حفظ التوراة وصادقين في تعاملهم معها كان هذا التحذير.
يبدوا أن ابن عباس هو المصدر الأساسي لدي القمص فوضع ما يزعم أنها أقواله في كل الكتابات التالية سواء بالخطأ أو الصواب عفوًا سواء بالخطأ أو بالخطأ. فسنكتشف إصرار القمص على استرجاع هذه الأقوال.
العلامة شاه ولي الله، قال في كتابه (الفوز الكبير في أصول التفسير) قال: (إن في ترجمة التوراة وتفسير النصوص قد حرف اليهود معنى بعض الآيات ولكنهم لم يحرفوا النص الأصلي، وقد اتفق على هذا القول ابن عباس أيضًا) . المعنى وليس النص الأصلي. محدش يقدر يغير النص.
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب (والطور وكتاب مسطور) .