الصفحة 29 من 372

وسب أهل غلاطية في بداية رسالته إليهم. فما هى فائدة تضحية المسيح إذا لم تخرج الخطية وإذا وقعت بعد الإيمان بالمسيح الخطية فما هى عقوبة هذه الخطية أم أن جزاء الخطية التسامح فهل كل من تتسامح معهم ستزول عنهم الخطية أم أن هناك من يزيدهم التسامح طغيانا. فهل يستقيم المجتمع بفكرة التسامح فقط وهل طبقت الكنائس على طول زمانها فكرة التسامح فقط أم أنها كانت السبب في صراعات وحروب لازالت مستعرة حتى الآن بينها وبين غيرها من الأديان بل بينها وبين الكنائس الأخرى.

حاول بولس بعد ذلك تهدئة الأمور مع أهل رومية خاصة أنهم من اليهود الغيورين على الناموس [أم تجهلون أيها الإخوة - لأني اكلم العارفين بالناموس - إن الناموس يسود على الإنسان مادام حيًا؟ فإن المرأة التي تحت رجل هى مرتبطة بالناموس بالرجل الحيّ. ولكن إن مات الرجل فقد تحررت من ناموس الرجل. فإذا مادام الرجل حيًا تدعى زانية إن صارت لرجل آخر. ولكن إن مات الرجل فهى حرة من الناموس حتى أنها ليست زانية إن صارت لرجل آخر. إذا يا إخوتي انتم أيضا قد متّم للناموس بجسد المسيح, لكي تصيروا لآخر, للذي قد أقيم من الأموات لتثمر لله. لأنه لماّ كنا في الجسد كانت أهواء الخطايا التي بالناموس تعمل في أعضائنا, لكي نثمر للموت. وأما الآن فقد تحررنا من الناموس, إذ مات الذي كنا ممسكين فيه, حتى بجدّة الروح لا بعتق الحرف. فماذا نقول؟ هل الناموس خطية؟ حاشا! بل لم اعرف الخطية إلا بالناموس. فإنني لم اعرف الشهوة لو لم يقل الناموس: لا تشته. ولكن الخطية وهى متخذة فرصة بالوصية أنشأت في كل شهوة. لان بدون الناموس الخطية ميتة. أما أنا فكنت بدون الناموس عائشًا قبلًا. ولكن لما جاءت الوصية عاشت الخطية فمت أنا. (رو 7: 1 - 9) ] .

بالتأكيد عزيزي القارئ بدأ عقلك في الاضطراب وعدم الإمساك بخيوط الفكرة واعتقد أن بولس نفسه أصبح غير قادر على الإمساك بها أيضا. ولكن سنحاول تلمس الطريق في هذه الفوضى. فبولس اخطأ عندما قال إن المرأة بوفاة زوجها لم تعد تحت الناموس وهذا فكر قاصر وخلط في الأوراق فلا علاقة للموت بالتحرر من الناموس فالمرأة تحررت من ارتباطها بالزوج وليس من الناموس وهو الشيء الممكن تحققه بالطلاق في حياة الزوج. بل العكس هو الصحيح فالناموس يتحكم بطريقة مباشرة في الإنسان بعد موته, فإتباع الناموس شرط لدخول ملكوت السماء كما جاء في الكتاب المقدس. فالمؤمن لا يتحرر من الناموس بالموت بل يحصد ثمرة إتباعه له.

كذلك اخطأ بولس في قوله إن الناموس عرّفه الخطية. فالخطية دخلت الإنسان بسبب ادم كما سبق وأعلن لذا فالشهوة معروفة قبل الناموس ولم تعرف به وإنما الناموس قنن هذه الشهوة لتنظيم المجتمع ومعرفة حدود المسموح والممنوع. ولا يقتصر وضع هذه القواعد على الناموس فهناك كثير من الشعوب وضعت القوانين التي تجرم الشهوة التي تستخدم في غير مكانها. فالناموس لم يعرّف بل قنن لذلك ليس الناموس هو القضية - التي يدور حوله بولس لإلغائه - بل هو شكل ودليل الإيمان. والإيمان ليس هدف في حد ذاته بل وسيلة لصلاح المجتمع والدخول إلى ملكوت السماء.

يعود بولس ليناقض نفسه [لان ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون, ولا لأنهم من نسل إبراهيم هم جميعا أولاد. بل (بإسحاق يدعى لك نسل) . أي ليس أولاد الجسد هم أولاد الله. بل أولاد الموعد يحسبون نسلًا. لأن كلمة الموعد هى هذه (أنا آتي نحو هذا الوقت ويكون لسارة ابن) وليس ذلك فقط, بل رفقة أيضا, وهى حبلى من واحد وهو إسحاق أبونا. لأنه وهما لم يولدا بعد, ولا فعلا خيرًا أو شرًا, لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار, ليس من الأعمال بل من الذي يدعو, قيل لها: (إن الكبير يستعبد للصغير) . كما هو مكتوب: (أحببت يعقوب وأبغضت عيسو) . (رو 9: 6 - 13) ] .

يثير بولس تناقض هام, فإذا كان اختيار الله للصالح والطالح مسبق فلا فائدة للعمل وبالتالي للناموس لأن الاختبار أصبح بلا فائدة وبالتالي عمل الإنسان الصالح بلا قيمة لأنه محكوم عليه من البدء انه إما صالح أو فاسد. فهل كان اختبار الله لبولس رغم اضطهاده للنصارى المسبق جعله يتحول إلى إتباع المسيح أم اختيار بولس نفسه وهل هذا الاختيار الإلهي الذي لا دخل فيه لحرية الإنسان يستحق عليه أن يدخل ملكوت السماء والذي اختاره الله ليكون فاسدا هل من العدل أن يدخل جهنم. إذا كان هذا صحيحا فقد هدم بولس النظام الإلهي فكل إنسان سيفعل ما يحلو له علي اعتبار إن هذا هو الاختيار الإلهي. فإذا أراد الله أن يجعله صالحًا فسيحوله إلى الصلاح وإذا لم يرد له أن يكون صالح فهذا أمر الهي لا دخل ليد الإنسان فيه, وهو الفكر الغير منطقي بالمرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت