فهرس الكتاب
وإذا كان اختيار الصالح من الطالح هو عن علم مسبق من الله بأفعال البشر وليس حكم عليهم بالصلاح أو الفساد فهذا يهدم فكرة بولس من الأساس بأن العمل الصالح لا يحكم اختيار الله وعليه يظل إتباع الناموس هو الحاكم والاختبار للبشر بأن يكونوا إما من الصالحين أو الفاسدين. وهذا ما عاد بولس ليؤكده مرة ثانية.
[لا تكونوا مديونين لأحد بشيء إلا بأن يحب بعضكم بعضا لان من أحب غيره فقد أكمل الناموس. لان (لا تزن, لا تقتل, لا تسرق, لا تشهد بالزور, لا تشته) وان كانت وصية أخرى , هى مجموعة في هذه الكلمة: (أن تحب قريبك كنفسك) . المحبة لا تصنع شرا للقريب, فالمحبة هى تكميل الناموس (رو 13: 8 - 10) ] .
عاد بولس فناقض كل أفكاره فتحدث عن تكميل الناموس. ويبدو انه لم يرغب أن يجاهر مباشرة بمعاداته للناموس لأنه - كما كان واضحا - يتحدث اليهود عالمين بالناموس وغيورين عليه فكان من الصعب كشف كل أوراقه واكتفى بأن يحاول اكتساب ثقتهم وإثارة فكرة الالتزام بالناموس في هذه المرحلة التي لم تنفصل فيها الكنيستين وهو ما أشار إليه بولس بعد ذلك [حتى كون خادما ليسوع المسيح لأجل الأمم, مباشرا لإنجيل الله ككاهن, ليكون قربان الأمم مقبولا مقدسا بالروح القدس. فلي افتخار في المسيح يسوع من جهة ما لله (رو 15: 16 - 17) ] . فبولس اظهر صفته وجعلها ملتصقة بأورشليم التي استخدمها مرة أخرى لإضفاء الثقة والجدارة عليه عند أهل رومية [ولكن الآن أنا ذاهب إلى أورشليم لأخدم القديسين, لان أهل مكدونية واخائية استحسنوا أن يصنعوا توزيعا لفقراء القديسين الذين في أورشليم. استحسنوا ذلك, وإنهم لهم مديونون! لأنه إن كان الأمم قد اشتركوا في روحياتهم, يجب عليهم أن يخدموهم في الجسديات أيضا (رو 15: 25 - 27) ] .
[فأطلب إليكم أيها الإخوة, بربنا يسوع المسيح, وبمحبة الروح, أن تجاهدوا معي في الصلوات من اجلي إلى الله, لكي أنقذ من الذين هم غير مؤمنين في اليهودية, ولكي تكون خدمتي لأجل أورشليم مقبولة عند القديسين (رو 15: 30 - 31) ] .
ينتقل بولس بعد ذلك إلى المرحلة الثانية وهى مرحلة الصدام وإزاحة المعتقد القديم وهو ما تجسده رسالته إلى غلاطية. بصرف النظر عن الظروف التاريخية التي قد تكون ساعدت على اتخاذ هذا الموقف الانفصالي من بولس فهو كان أمر حتمي لتناقض أفكاره التي حاول في رسالته إلى رومية أن يخفيها ويجعلها تتسق مع شريعة ومبادئ كنيسة أورشليم.
منذ البداية في رسالة غلاطية يدشّن بولس لهذا التصادم الانفصالي [بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان, بل بيسوع المسيح والله ألآب الذي أقامه من الأموات (غل 1:1) ] . هنا يعلن بالمخالفة للحقيقة انه اخذ رسالته من المسيح مباشرة ولهذا فهو على قدم المساواة مع أعمدة أورشليم ويؤكد هذا الكلام [وأعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذي بشرت بهو انه ليس بحسب إنسان. لأني لم اقبله من عند إنسان ولا عٌلمّته. بل بإعلان يسوع المسيح (غل 1: 11 - 12) ] . وهنا ينكر بولس أي صلة لإنجيله الذي يدعو به وإنجيل رسل الختان وبالتالي فهم ليسوا مرجعية لأفكاره أو رسالته فهو ورسل الختان على نفس الدرجة من المرجعية. ويستمر بولس في الانفصال جسديا وفكريا عن أورشليم [ولكن لمّا سرّ الله الذي افرزني من بطن أمي, ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم, للوقت لم استشر لحما ودما ولا صعدت إلى أورشليم, إلى الرسل الذين قبلي, بل انطلقت إلى العربية, ثم رجعت أيضا إلى دمشق. ثم بعد ثلاث سنوات صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس, فمكثت عنده خمسة عشر يوما ولكنني لم أر غيره من الرسل إلا يعقوب أخا الرب (غل 1:15 - 19) ] . لاحظ عزيزي القارئ التطور الذي حدث لبولس فهو الآن يدّعي أن الله هو الذي اختاره ليكشف له سر المسيح ويرسله إلى الأمم فبولس الآن اخذ الإنجيل من الله وليس المسيح كما قال في رسالة رومية لذا بعدما كان رسول المسيح وتلميذ مثل رسل الختان أصبح رسول الله وفي منزلة المسيح نفسه. وبالتأكيد هذا الكلام ليس له أي أساس من الصحة ويتعارض مع سفر أعمال الرسل. فبولس التصق بالرسل وساعده برنابا على القبول به في الكنيسة بسبب تشكك التلاميذ فيه ولم يكن هو أول من دعا الأمم إلى الدخول في الكنيسة ولا فضل له على كنيسة أنطاكية التي جمعت اليهود والأمم بل إن برنابا سافر إليها أولا ثم التحق به بولس. فلماذا يحاول بولس الآن ادعاء ما لم يحدث؟. الإجابة على هذا التساؤل تظهر في أقواله [تم بعد أربع عشرة سنة صعدت أيضا إلى أورشليم مع برنابا أخذا معي تيطس أيضا. وإنما صعدت بموجب إعلان, وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم, ولكن بالانفراد على المعتبرين, لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلا. لكن لم يضطر ولا تيطس الذي كان معي, وهو يوناني أن يختتن. ولكن بسبب الإخوة الكذبة المدخلين خفية, الذين دخلوا اختلاسا ليتجسسوا حريتنا التي لنا في المسيح كي يستعبدونا, الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة, ليبقى عندكم حق الإنجيل. وأما المعتبرون أنهم شيء - مهما كانوا, لا فرق عندي, الله لا يأخذ بوجه إنسان - فعن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا على بشيء. بل بالعكس إذ رأوا إني اؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطرس على إنجيل الختان فإن الذي عمل في بطرس لرسالة الختان عمل في