الصفحة 31 من 372

أيضا للأمم. فإذ علم بالنعمة المعطاة لي يعقوب وصفا ويوحنا, المعتبرون أنهم أعمدة, أعطوني وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم, وأما هم فللختان (غل 2: 1 - 9) ]. هنا يتضح أن بولس في بدء كلامه كان يمهد لتقسيم الدعوة فهو يدعي انه تلقى الرسالة من المسيح مباشرة مثل باقي التلاميذ وانه لديه إنجيله الخاص مثل إنجيل التلاميذ. فلماذا إذا عرض عليهم الإنجيل الذي يبشر به إذا كان قد أخذه من المسيح ولماذا أشار إلى موافقة المعتبرين عليه وإعطائه الشركة في الدعوة لو كان كلف من الله الذي كشف له سر المسيح وأرسله إلى الأمم. بل أكثر من ذلك فهو يقطع كل صلة له بالتلاميذ حيث انه لم يلتقي بأي منهم وعليه يكون له مرجعيته الخاصة بعيدا عنهم أي انه قسم دعوة المسيح إلى قسمين على نفس المستوى من المصدر والفكر والمكانة والمرجعية. دعوة رسل الختان وفيها بطرس ويعقوب ويوحنا ودعوة الأمم وفيها بولس وبرنابا. فتحول إنجيل المسيح إلى إنجيلين ومن مرجعية واحدة إلى مرجعيتين ونتيجة لهذا تحول الإنجيل من التكامل إلى التنافس وطالما الواحد أصبح اثنان فحتما ستحدث بينهما منافسة وصراع قد تحقق سريعا وظهر ذلك في ازدراء بولس لرسل الختان في قوله [وأما المعتبرون أنهم شيء - مهما كانوا لا فرق عندي, الله لا يأخذ بوجه إنسان- (غل 2: 6) ] . وزاد الأمر إلى محاولة تقليل من قدر هؤلاء التلاميذ بالهجوم عليهم واتهامهم بما يشكك في مصداقيتهم وقدراتهم [ولكن لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة, لأنه كان ملوما. لأنه قبلما أتى قوم من عند يعقوب كان يأكل مع الأمم, ولكن لما أتوا كان يؤخر ويفرز نفسه, خائفا من الذين هم من الختان. وراءى معه باقي اليهود أيضا, حتى برنابا انقاد إلى ريائهم لكن لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل, قلت لبطرس قدام الجميع: (إن كنت وأنت يهودي تعيش أمميا لا يهوديا, فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا؟) نحن بالطبيعة يهود ولسنا من الأمم خطاه, إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس, بل بإيمان يسوع المسيح, آمنا نحن أيضا بيسوع المسيح, لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس, لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما (غل 2: 11 - 16) ] .

هكذا إذن الجميع لا يستحق التبشير بالإنجيل ولا تعرف أي إنجيل يقصد بولس هل هو إنجيل الختان أم إنجيل الأمم. فبطرس وكل اليهود مرائين وحتى برنابا. ولم يبقى محافظًا على مبدأه إلا بولس. فهل ياترى حدّث بولس أتباعه وهو يرتدي ثوب البطولة أن ما فعله بطرس فعله بولس وأكثر من مرة. فقد كان بولس مرائي عندما ختن تيموثاوس وعندما ذهب إلى الهيكل وقام بنذوره حسب الشريعة. فكيف لبولس وهو يعيش يهوديا يريد أن يلزم اليهود أن يكونوا أمميين. وإذا كان يؤمن أن الناموس لا يبرر احد فلماذا في زيارته الأخيرة إلى أورشليم اتبع الناموس بناء على نصيحة يعقوب العادل. ولكنها الرغبة في الانفراد بالدعوة, فتخلص من الجميع حتى برنابا ليتسع له المجال ليفعل ما يريد وتحققت رغبته فأخذ يخطب في الغلاطيين كأنه هو التلميذ الوحيد للمسيح ويخيرهم إما رسل الختان أو بولس رسول الأمم.

[أيها الغلاطيون الأغبياء, من رقاكم حتى لا تذعنوا للحق؟ انتم الذين أمام عيونكم قد رسم يسوع المسيح بينكم مصلوبا! أريد أن أتعلم منكم هذا فقط: أبأعمال الناموس أخذتم الروح أم بخبر الإيمان؟ أهكذا انتم أغبياء! أبعد ما ابتدأتم بالروح تكملون الآن بالجسد؟ أهذا المقدار احتملتم عبثًا؟ إن كان عبثًا! (غل 3: 1 - 4) ] . لاحظ أسلوب الخطاب اللاذع فهنا كشف بولس وجهه فأين الوادعة التي يطالب بها أتباعه من هذا السب والتهكم على أهل غلاطية. ولكنه الحزم في الاختيار بينه وبين رسل الختان والغاية تبرر الوسيلة فالوداعة والنعومة لها وقت لجذب المتلقي والخشونة والغلظة لها وقت لتخويفه من تركه لفكر بولس.

يعود بولس ليشدد على أفكاره وتعاليمه مرسخًا لقاعدة استحالة تقاربها مع أفكار وتعاليم رسل الختان معارضًا في ذلك أرائه الأولى التي ذكرها في رسالة رومية أن هناك الكثير من نقاط التفاهم والأرضية المشتركة مع فكر رسل الختان [إذا الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن لان جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة, لأنه مكتوب: (ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به) . ولكن إن ليس احد يتبرر بالناموس عند الله فظاهر, لأن (البار بالإيمان يحيا) ولكن الناموس ليس من الإيمان, بل (الإنسان الذي يفعلها سيحيى بها) . المسيح افتدانا من لعنة الناموس, إذ صار لعنة لأجلنا, لأنه مكتوب: (ملعون كل من علق على خشبة) . لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع, لننال بالإيمان موعد الروح. (غل 3: 9 - 14) ] .

ويستمر بولس على تأكيد الانفصال والتعارض بين أفكاره ورسل الختان [إنما أقول هذا: إن الناموس الذي صار بعد أربعمائة وثلاثين سنة, لا ينسخ عهدا قد سبق فتمكن من الله نحو المسيح حتى يبطل الموعد. لأنه إن كانت الوراثة من الناموس, فلم تكن أيضا من موعد. ولكن الله وهبها لإبراهيم بموعد. (غل 3:17 - 18) ] .

[لست أبطل نعمة الله. لأنه إن كان بالناموس برّ, فالمسيح إذا مات بلا سبب (غل 2:21) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت