فهرس الكتاب
كان لشخصية بولس التأثير الكبير في انتشار هذه الأفكار, فبولس الرحالة النشيط والعنيد سواء في عداءه للمسيح وتلاميذه أو حماسته للديانة الجديدة كانت هى المحرك. فبولس لم يستقر في مكان فذهب للمتلقي في مكانه ولم ينتظر حتى يأتي إليه, واندفاعه وحماسه يمكن للدعوة قد تكون أثرت في ضعاف الشخصية الذين يميلون للإعجاب بهذه الصفات وينظرون لحماسته على أنها دليل اقتناعه بصحة دعوته أو محاولة منهم للاحتماء بالقوي بصرف النظر عن البحث في مدى صدق ومنطقية الدعوة ذاتها. كما أن بولس كان شخصية متشكلة وليست ذات قالب واحد [استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين. فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود. وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس. وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس - مع أني لست بلا ناموس لله, بل تحت ناموس المسيح - لأربح الذين بلا ناموس (1كو 9: 19 - 21) ] . هذا المبدأ الذي شكل شخصية بولس جعله يتحدث مع كل الناس حسب تلقيهم وليس حسب مبادئه وكلنا نعلم مدى نفاقه عندما ختن تيموثاوس إرضاء لليهود وخضوعه ليعقوب في آخر زياراته إلى أورشليم حتى لا يُغضب اليهود ثم أثناء محاكمته عندما وجد أن هناك فريقين, الفريسين والصدوقين انحاز لإحداهما ليدب الخلف بينهما. ودافع عن نفسه أمام اليهود بتاريخه في اليهودية وأمام الحاكم الروماني بإعلانه جنسيته الرومانية ويرفع قضيته لقيصر. حتى في رسائله لم يصرح بأفكاره مباشرة بل انتظر ليكتسب ثقة المستمع ثم بعد ذلك يحاول التأثير عليه وتحويل أفكاره لتكون بديل لقناعاته. وتحدث لليهود بمرجعيات من الكتاب المقدس والى اليونانيين بمرجعيات فلسفية وثنية. فكان يتحدث للجميع بما يرغبون أن يسمعوه وليس بما يؤمن هو به. هذا بخلاف تلاميذ المسيح الذين كانوا يتحدثون بلغة واحدة قد تتفق مع البعض وتختلف, بل وتعادي البعض الآخر. فكان تأثير بولس أكثر وضوحًا لأن كل مستمع يعتقد أنه على صواب وبالتالي كان يتبع بولس وفقًا لفكره هو وليس وفقا لفكر بولس. وسرعان ما جر هذا الأسلوب على بولس الكثير من المشاكل خاصة عندما يجتمع جميع المؤمنين به فينكشف المستور وتظهر المتناقضات مثل ما حدث في الهيكل في آخر زياراته له. فكيف يدعو بولس إلى ترك الناموس ويتبعه وكيف يتكلم بمبادئ في رومية وبعكسها في غلاطية. هذه البلبلة التي لم يستطع بولس في نهاية المطاف تفاديها وكان نتيجتها تسليمه إلى الرومان وسفره إلى روما وقطيعته مع أورشليم ومحاكمته أكثر من مرة انتهت بإعدامه. لكن تظل شخصية بولس الميكافيلية المتلونة هى المحرك والداعم الأكبر لأفكاره وليس العكس, أن مصداقية أفكار بولس هى الداعم لشخصيته.
أما أهم الأسباب المؤثرة التي ساهمت في انتشار لاهوت بولس هى أحوال الإمبراطورية التي خدمته فاندثار كنيسة أورشليم بفعل أحداث تاريخية لا دخل لبولس بها. والأكثر أهمية عدم صدام ما يدعو بولس إليه مع ما كان متعارف في ذلك الوقت من أفكار سواء فلسفية يونانية وثنية أو أديان شرقية قديمة. فقد حاول أن يجعل لأفكاره جسد يلاءم ما كان متداولًا في حينها, وسيتجسد هذا بوضوح في القرن الثاني لذلك سنكتشف مستقبلًا كيف كان التوافق مع معتقدات عصره كبيرا, والغير ظاهر حتى الآن في بدايات تبلور أفكار بولس.
كان لهذا التعارض بين ما يدعو إليه بولس وأصل دعوة المسيح تأثير ضخم في انحراف دعوة المسيح عن مسارها وأدي إلى صدام مع كنيسة أورشليم وأعمدتها وظهر هذا الصدام بشدة في رسالة يعقوب [يعقوب, عبد الله والرب يسوع المسيح, يهدي السلام إلى الاثنى عشر سبطًا الذين في الشتات (يع 1:1) ] . البداية توضح الخلاف في الأفكار والذي سيظهر بصورة أكبر في باقي الرسالة[لا يقل أحد إذا جُرب: (أني أجرب من قبل الله) , لأن الله غير مجرب بالشرور, وهو لا يجرب أحد. ولكن كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته. ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية, والخطية إذا كملت تنتج موتًا. لا تضلوا بإخوتي الأحباء.
كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هى من فوق, نازلة من عند أبي الأنوار, الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران. شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه. (يع 1: 13 - 18) ] . يتحدث يعقوب عن علاقة مباشرة بين الله والبشر لا دخل لوسيط فيها وأن الأفعال هى التي تحدد الصالح من الفاسد وليس الاختيار المسبق من الله كما يدّعي بولس. لذلك يتطلب الأمر قانون يحدد الحقوق والواجبات وينظم العلاقات بين البشر [ولكن كونوا عاملين بالكلمة, لا سامعين فقط خادعين نفوسكم. لأنه إن كان أحد سامعًا للكلمة وليس عاملًا, فذلك يشبه رجلًا ناظرًا وجه خلقته في مرآة فإنه نظر ذاته ومضى, وللوقت نسى ما هو. ولكن من اطلع على الناموس الكامل - ناموس الحرية - وثبت, وصار ليس سامعًا ناسيًا بل عاملًا بالكلمة, فهذا يكون مغبوطًا في عمله (يع 1: 22 - 25) ] .
[فإن كنتم تكملون الناموس الملوكي حسب الكتاب: (تحب قريبك كنفسك) فحسنًا تفعلون, ولكن إن كنتم تحابون, تفعلون خطية, موبخين من الناموس كمعتدين. لأن من حفظ كل الناموس, إنما عثر في واحدة, فقد صار مجرمًا في الكل. لأن الذي قال (لا تزن) , قال أيضًا: (لا تقتل) . فإن لم تزن ولكن قتلت, فقد صرت متعديًا الناموس. هكذا تكلموا وهكذا افعلوا كعتيدين أن تحاكموا بناموس الحرية. (يع 2: 8 - 12) ] . بدأ تناقض يعقوب مع بولس فهو يؤكد على إن الناموس هو السبيل للصلاح ويدلل على فكرته بقوله [ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد أن له إيمانًا ولكن ليس له أعمال, هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟ إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومي, فقال لهما أحدكم: (امضيا بسلام,