الصفحة 39 من 372

استدفئا واشبعا) ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد, فما المنفعة؟. هكذا الإيمان أيضًا, إن لم يكن له أعمال, ميت في ذاته. لكن يقول قائل: (أنت لك إيمان, وأنا لي أعمال) أرني إيمانك بدون أعمالك, وأنا أريك بأعمالي إيماني. أنت تؤمن أن الله واحد, حسنًا تفعل. والشياطين يؤمنون ويقشعرون!. ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت؟ الم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال إذ قدم إسحاق ابنه على المذبح؟ فترى أن الإيمان عمل مع أعماله, وبالأعمال أكمل الإيمان, وتم الكتاب القائل: (فأمن إبراهيم بالله فحسب له برًا) ودعي خليل الله. ترون إذا أنه بالأعمال يتبرر الإنسان لا بالإيمان وحده. كذلك راحاب الزانية أيضًا, أما تبررت بالأعمال, إذ قبلت الرسل وأخرجتهم في طريق آخر؟ لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان أيضًا بدون أعمال ميت. (يع 2: 14 - 26) ].

إلى هذا الحد وصل التناقض فيعقوب على طرف نقيض مع بولس ليس في الفكر بل وصل التناقض في تفسير نفس الفعل الذي قام به إبراهيم النبي أو حتى راحاب الزانية. وهذا إنما يدل على مدى التعارض في الفكر والذي فقد الأرضية المشتركة وافتراق الطرق بين بولس وأعمدة كنيسة أورشليم. ويؤكد يعقوب على هذا الخلاف في تجاهله للمسيح في العلاقة بين البشر والله.

[فاخضعوا لله. قاوموا إبليس فيهرب منكم. اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم. نقوا أيديكم أيها الخطاة, وظهروا قلوبكم يا ذوي الرّأيين (يع 4: 7 - 8) ] .

[لا يذم بعضكم بعضًا أيها الأخوة. الذي يذم أخاه ويدين أخاه يذم الناموس ويدين الناموس. وإن كنت تدين الناموس, فلست عاملًا بالناموس, بل ديانًا له. واحد هو واضع الناموس, القادر أن يخلّص ويهلك. فمن أنت يا من تدين غيرك؟ (يع 4: 11 - 12) ] .

[هلم الآن أيها القائلون: (نذهب اليوم أو غدًا إلى هذه المدينة أو تلك, وهناك نصرف سنة واحدة ونتّجر ونربح) . أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد! لأنه ما هى حياتكم؟ أنها بُخار, يظهر قليلًا ثم يضمحل. عوض أن تقولوا: (إن شاء الرب وعشنا نفعل هذا أو ذاك) . (يع 4: 13 - 15) ] .

أوجزت رسالة يعقوب السبب في الخلاف بينه وبولس. فيعقوب التزم بتعاليم المسيح ودعوته وبولس تضخمت ذاته حتى أصيب بجنون العظمة الذي أوصله إلى الاعتقاد أنه رسول الله العارف بسر المسيح. وجعله يستعمل اسم المسيح لينشئ دين جديد يضع له القواعد واللاهوت من أفكاره الخاصة ولا أساس أو مرجعية له سواء من السماء كالوحي أو من الأرض كالمسيح أو تلاميذه فكان فعله هذا بمثابة مرض الإيدز الذي دمر مناعة دعوة المسيح من الداخل وتركها نهبا لكل من يريد أن يعبث بها من الفلاسفة اليونانيين الوثنيين. فكان أشد بلاء وفتكًا عليها من كل التحديات الخارجية التي واجهتها.

انعكس هذا التناقض وافتراق الطريق على كنيسة الأمم فأصبحت أكثر عدائية بسبب إحساسها بالخطر تجاه كنيسة أورشليم وتولد لديها يقين لا يتزعزع أن لابد لإحداهما فقط أن تستمر ويجب أن تقضي على الأخرى تماما مثل خلية النحل لا تتحمل ملكتين. ساعد كنيسة الأمم على النجاح في صراعها ثورة اليهود في أورشليم وما نتج عنها من تدمير المدينة وهدم الهيكل وتشتت اليهود. ففقدت كنيسة أورشليم الصدفة التي تحميها والحاضن الأساسي لها, فقامت كنيسة الأمم بانتهاز الفرصة وهى يراها تحتضر بإطلاق رصاصة الرحمة عليها بإخراجها من الصحيح العقيدة واتهمتها بالهرطقة. وهكذا أصبح الحلال حرام والحرام حلال, أصبح اللص شريفًا والشريف لصًا [التهود يهدف أصحاب هذا الاتجاه إلى ربط أنفسهم بالناموس اليهودي القديم, وإدماج المسيحية باليهودية, بحيث يصبح الإنجيل هو الناموس القديم محسنًا ومكملًا. إنهم يعتبرون المسيح مجرد نبي, وموسى الثاني. وهم ينكرون ويغفلون طبيعته الإلهية ووظائفه ككاهن وملك. كان هؤلاء المسيحيون المتهودون في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت