فهرس الكتاب
حقيقتهم يهود وفي ظاهرهم مسيحيين بالاسم. وقد مارسوا وأتموا ناموس موسى الأدبي والطقسي, واعتبروه ملزمًا لهم, وإنه لازم للخلاص. ولم يفهموا المسيحية على إنها ديانة عامة مسكونية جديدة, متحررة من الناموس القديم] [1] .
[الابيونية بدعة نادى بها فريق من المسيحيين المتهودين. وإن كان هذا الاسم الذي عرفوا به لم يظهر إلا في القرن الثاني الميلادي لكنهم كانوا موجودين بمبادئهم منذ عصر الرسل. فلا شك إنهم خلفاء أولئك (الإخوة الكذبة) الذين أشار إليهم بولس في (2كو 11: 26) (غلا 2: 4) والذين أقلقوا سلام الكنيسة وبخاصة في أنطاكية وغلاطية, وقاوموا قانونية رسوليته وتعقبوه من مدينة إلى أخرى. ويذكر أبيفانيوس أنهم ظهروا بعد خراب أورشليم سنة 70م, بين جماعة اليهود المتنصرين الذين لجأوا إلى (بلّا) قبيل خراب أورشليم, وانتشرت أفكارهم في فلسطين والأقطار المجاورة, ومراكز الشتات, بل وبلغت روما. أقدم ما وصلنا عنهم ذكره الشهيد يوستينوس في حواره مع تريفو اليهودي حوالي منتصف القرن الثاني.
وإن كان يوستينوس ذكر مميزاتهم دون اسمهم (أبيونيين) لكن إيريناوس وأريجينوس ويوسابيوس المؤرخ يؤكدون أن تلك المميزات الذي ذكرها يوستينوس ليست سوى مميزات الأبيونيين. والاسم (أبيونيون) من العبرانية (أبيونم) وتعني فقراء مساكين. هذه التسمية إما أطلقها هم على أنفسهم لينالوا الطوبى التي أعطاها السيد المسيح للمساكين بالروح. وإما أطلقها المسيحيون عليهم لأنهم فقراء ومساكين في أفكارهم, عن أفكارهم ومبادئهم, فهم فريقان بين متزمت ومعتدل: فالفريق المتزمت يحفظون ناموس موسى حفظًا حرفيًا, ويقدسون السبت, ويعتبرون الختان لازمًا للخلاص. وأوجبوا على المسيحيين حفظ الناموس القديم كشرط لخلاصهم. ومن جهة إيمانهم في المسيح, فقد أنكروا لاهوته وأزليته, ورفضوا اعتباره اللوغوس وكلمة الله وحكمته. وأنكروا ميلاده ألمعجزي من العذراء مريم واعتبروه إنسانًا عاديا كسائر البشر ولد حسب الطبيعة من يوسف ومريم, وإنه هو النبي الذي تنبأ عنه موسى. ورفضوا الاعتقاد أن المسيح خضع للموت. كما اعتقدوا في مجيئه الثاني في مجد ملكي وإنه يعد لنفسه ولأتباعه - ولاسيما من أتقياء اليهود - ملكًا ألفيًا.
والفريق المعتدل يحفظون ناموس العهد القديم, لكنهم لا يلزمون به الجميع ولا يتعصبون ضد من يرفضون حفظه. وكانوا يحتفلون بيوم الأحد, ولا يعترضون على ألام المسيح وموته, ولا ينكرون ولادة المسيح من العذراء بغير زواج وإن كانوا يشتركون مع المتزمتين في إنكار لاهوت المسيح وأزليته] [2] .
لعلك لاحظت عزيزي القارئ مع من تتشابه مبادئ وأفكار هؤلاء المهرطقين. إذا كنت لا تعلم أو تتذكر أين قابلت هذه الأفكار من قبل فيكفي أن تعود عدة صفحات إلى الخلف في هذا الكتاب لتعلم أنها أفكار كنيسة أورشليم وتعاليم المسيح وتلاميذه, ولكنهم أصبحوا مهرطقين وفقًا لمرجعية جديدة هى مرجعية بولس. هذا يوضح أن العقيدة المسيحية لم يعد المقصود بها دعوة المسيح أو النصرانية بل أصبحت دعوة بولس أو مسيحية الأمم. ورغم هذا التحول الخطير في المرجعية يظل القليل ينظرون إلى أتباع كنيسة أورشليم نظرة حيادية إلى حد ما (لقد عانى الرسل من البدع التي واجهتهم وحاربوها لئلا تتسرب إلى المؤمنين الأولين. ولكن المشقة الكبرى جاءت من بعض فرق المسيحيين المتهودين. هم من الفريسيين الذين صاروا مسيحيين. هؤلاء الذين لم يذعنوا لقرارات مجمع أورشليم 43 - 44م ولم يباركوا عمل الرسول بولس في التبشير. فكانوا في آسية الصغرى وبلاد اليونان ينشرون تعاليمهم ويغالطون الرسول بولس وجبين الإختتان وحفظ السبت وغيرها من فرائض الناموس. وعظم أمرهم فخشي الرسول بولس على المؤمنين منهم فرد عليهم برسائل بعثت إلى كنائس معينة. فلاقت رواجًا وتقبلًا عند المؤمنين ومنها رسالته إلى كورنثوس الأولى) [3] .
(الأبيونيين الذين تفرعوا عن كنيسة أورشليم وتفرقوا مبشرين معلمين أن المخلص هو ابن يوسف ويرفضون إلوهية المسيح وأن بولس مرتد عن الدين القويم متمسكين بالإنجيل إلى العبرانيين مستمسكين بالناموس متخذين أورشليم قبلة لهم في صلواتهم. إذ اعتبروا التمسك
(1) مذكرات في تاريخ الكنيسة - القمص ميخائيل جريس - كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية - مصر.
(2) مذكرات في تاريخ الكنيسة - القمص ميخائيل جريس - كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية - مصر.
(3) كنيسة أنطاكية - مجمع أرثوذكس أونلاين.