فهرس الكتاب
بالفروض اليهودية وطقوس الآباء العبرانيين ضرورة يلتزم بها المسيحيون. معتبرين أن السيد المسيح مجرد ابن لداود بدون وجود له قبل التجسد, ومجرد نبي مختار كانوا ينتظرونه.
قالت الأبيونية أن يسوع المسيح ليس سوى إنسان تبناه الله ومنحه سلطة إلهية لتتميم رسالته. ومن أتباع هذه البدعة الأبيونيون الذين كانوا يقولون أن يسوع هو مجرد إنسان ولد من مريم ويوسف وأنه كان أقدس جميع الناس, وقد حل عليه في أثناء معموديته كائن سماوي هو المسيح) [1] .
أي أن المسيحيين المتهودين والأبيونيين هم من انشق على قرارات مجمع أورشليم وأنهم تفرعوا من كنيسة أورشليم أي لهم أصل إيماني قد يكون أسبق من الأصل الإيماني لبولس وعن صحة معتقداتهم ففي اغلبها تتفق - أكثر من معتقدات بولس - مع أصل تعاليم المسيح. فالمسيح مجرد نبي كما قال بطرس, والالتزام بالناموس أساسي كما قال يعقوب وكما فعل بولس أيضا. فمن أين جاءت تهمة الهرطقة, هل لأنهم كانوا يقولون أن بولس مرتد عن الدين القويم ولم يباركوا أفكاره وأعماله. أم أن أفكارهم متعارضة مع أفكار بولس وعليه لابد لأحدهم أن يكون مؤمن والآخر مهرطق حتى لو كان هذا المهرطق يتبع تعاليم المسيح الصادقة.
هل كان يعلم المسيح عندما دعا التلاميذ واليهود وعندما أسس كنيسته أن يومًا سيجئ يتهم فيه بالهرطقة. وهل كان يعلم بطرس عندما فتح الباب للأمم والوثنيين وسمح لشاول بأن ينضم إليهم أنه سوف يؤكد هذا الاتهام بالهرطقة الذي طال كنيسة أورشليم وأعمدتها وتلاميذها بل مؤسسها. والذي لازال يطوق - حتى الآن - عنق هؤلاء. أم إنه ثأر قديم من بولس وكنيسة الأمم للرد على المسيحية اليهودية التي اتهمت بولس بالردة وأجبرته على رياء اليهود في الهيكل فكان هذا هو الرد الانتقامي من بولس عندما تغيرت الموازيين. أم أن هذا هو مبدأ الكنائس التي لا تقبل تعدد وجهات النظر والمذاهب فكل من يخالف الكنيسة ورأسها يعتبر مهرطق وخارج عن الدين. وهو ما سوف يتكرر طوال تاريخ الكنيسة حتى وقتنا الحاضر.
لم يكد ينتهي القرن الأول حتى انتهت دعوة المسيح. هذه الدعوة التي كانت تحمل ليس فقط اسم المسيح بل صفته فكما رفع المسيح في ريعان الشباب, وأدت دعوته في مهدها. فمن تشتت اليهود بعد دمار أورشليم ودمار الهيكل الحاضن المادي لها, إلى تدمير بولس لها فكريا. لم يكن لدعوة المسيح أي فرصة للبقاء فكانت كالحاضن المؤقت لدعوة أخرى لا تملك إلا الاختباء خلف اسم المسيح لتكون ديانة معترف بها, لكنها على النقيض مع اسمها وتعاليمها في كل شيء, فالتوحيد تحول إلى تثليث, والرسول تحول إلى إله, والشريعة تم إسقاطها والحرام من منع لحم الخنزير وخلافه تحول إلى حلال والحلال من الطلاق تم تحريمه وكنيسة أورشليم تحولت إلى كنيسة أنطاكية ومرجعية المسيح تحولت إلى مرجعية بولس حتى الاسم تحول من الناصريين أو النصارى إلى المسيحيين. فماذا بقّي بعد ذلك من دعوة المسيح السماوية.
وكما أن السمكة إذا خرجت من الماء تموت كذلك الحال لهذا الجنين المسخ الذي سرعان ما سوف تتفاعل وتزداد تناقضاته وعوامل فناءه الداخلية ولن يستطيع الاستمرار حتى لو تقوّى مؤقتًا من الاضطهاد الذي سيقابله ليعطي انطباع خادع بأنه شهيد الدعوة. فما أن تستقر الأوضاع ويتحول الانتباه للدعوة ذاتها حتى يتضح استحالة استمرارها, تمامًا كالاستنساخ يمكن إيجاد كائن مستنسخ لكنه غير قابل للحياة الطبيعية وسرعان ما يموت.
كانت رحلة المسيحية - ومنذ هذه اللحظة المقصود بالمسيحية إما كنيسة الأمم أو مسيحية بولس ولا علاقة لها بدعوة المسيح - في القرن الثاني مثل السفينة التي تركت خلفها أرض أورشليم وودعتها ماديًا وفكريًا لتبحث لها عن أرض جديدة وميناء ترسوا عليه وهو ما تحقق في اليونان وروما ومصر. ومع مرور الزمن أصبحت أورشليم سراب في عقول المسيحيين الأمميين وأرادوا غرس جذورهم في الأراضي الجديدة التي حسبوها خصبة تغذي الدعوة. فهل ستصدق أمانيهم وأمالهم في نمو كنيسة الأمم في تربتها الجديدة أم ستخيب عندما يجدون أنها تربة ملوثة ستجعل شجرة المسيحية تثمر المرارة والخلاف والكراهية.
(1) كنيسة أنطاكية - مجمع أرثوذكس أونلاين.