فهرس الكتاب
قبل مولد المسيح بثلاثين عامًا مرت الإمبراطورية الرومانية بمنعطف تاريخي هام ومؤثر عليها وعلى العالم. فبهزيمة مارك أنطونيو وكليوباترا أمام أوكتافيوس ابن يوليوس قيصر بالتبني تحولت الإمبراطورية تمامًا من الجمهورية إلى القيصرية وترسخت الدولة على حساب المجتمع. وانتقلت القيادة من المجتمع, بكل ما فيه من حيوية وتفاعل فكري وطموح فري للارتقاء الاجتماعي وما قد يصاحبه من فوضى وانشقاقات, لم تعد الدولة قادرة على كبحها وأدت إلى كثير من الحروب الأهلية, إلى قيادة الدولة حيث إعلاء قيم النظام والانضباط والالتزام بالقواعد والنظم. واعتقد الجميع حالهم في ذلك كحال الجميع حتى الآن أن فرض النظام من الدولة هو طوق النجاة من الفوضى ولكنه افتراض خاطئ لأن الدولة ليست شريحة مستقلة عن المجتمع وأخلاقياته وليست مكونة من ملائكة, فإذا كان أصحاب المصالح في السابق يكشفون عن وجوههم فهم الآن يختفون خلف قناع الدولة. فإضافة إلى استمرار الفوضى ازدادت عليها شراسة السلطة والتبعية للحاكم والروتين الذي يفضي إلى البلادة وكسل العقل وانعدام الطموح الفردي المحفز للإبداع, وهو نفس الوضع الذي يتكرر مع كل النظم التسلطية - حتى لو وافق عليها المجتمع - مثل الشيوعية والناصرية. وبالنسبة لإمبراطورية تقوم على الجرأة الفردية والمبادأة الجماعية التي تصل إلى العدوانية وتعيش على نتاج الآخرين من غذاء وفكر, فمصر سلة غذاء الإمبراطورية واليونان عقلها, فنتائج وتبعات هيمنة النظام والحاكم تكون كارثية عليها كتأثير المرض القاتل والصامت لهذه الإمبراطورية. فمع الوقت تراخت يد الإمبراطورية ومالت إلى الاستقرار والسلام والمهادنة فطفا على السطح كل ما كان يخفيه الخوف لدى الشعوب المقهورة وتجرأت النفوس على التمرد وانفرط عقد الإمبراطورية فزادت الحروب ضدها من القبائل التي تحيط بها في أوربا وازدادت الثورات من الشعوب في أفريقيا وآسيا ضد هيمنتها وساهم في هذا الإهتراء السياسي من بعض السياسيين المرتشين وبلغ الحرس الإمبراطوري وأصبح منصب القيصر أو الإمبراطور للبيع لمن يفتح خزائنه للحرس الإمبراطوري مما دعا كل قائد لفيلق في الجيش يعلن نفسه إمبراطور مشتريًا ولاء جنوده بثروات الإمبراطورية فازدادت الحروب بين الفيالق الرومانية وتحول انتباهها من حرب الأعداء إلى حرب أبناء جنسها من الفيالق الأخرى. فما يكاد احدهم ينصّب نفسه إمبراطورًا حتى ينقلب عليه قائد آخر فيقتله ويغتصب منصبه فقيل أنه في فترة زمنية قصيرة تعاقب على منصب الإمبراطور أكثر من أربعين لا يكاد يذكرهم التاريخ.
أنتج هذا الإهتراء حالة من الفوضى وانعدام النظام وسقوط هيبة الدولة, فالطرق أهملت والزراعة والصناعة تدهورت والحروب أدت إلى نزيف المال الذي ذهب إلى الجنود والأباطرة والمرافق أصبحت في حالة يرثى لها فازدادت المجاعات والأوبئة حتى أطلق على هذه الفترة الزمنية (أزمة القرن الثاني) . وأخذت الإمبراطورية تنتقل من سيئ إلى أسوأ في تدهور مستمر سواء في الجوانب المادية أو حتى في الجوانب الفكرية وتخرج من ضائقة لتدخل في أخرى لا يفصل بينهما إلا فترات قصيرة من الانتعاش يقوم بها قلائل من القادة المخلصين لوطنهم لكن التيار كان أقوى فما يلبث أن يغمرهم ويجذبهم إلى القاع. فكانت هذه الفترات المنتعشة بمثابة لحظات يقظة لمحتضر قبل موته. صاحب هذه الأوضاع بداية دعوة المسيح وارتفاع نجمها فوجدت الوثنية من تلقي عليه اللوم خاصة بسبب الفكر ألتسامحي والمهادن التي كانت تدعو إليه الديانة الجديدة والمتعارض مع العقيدة العدوانية التي تميزت بها الإمبراطورية. أصبحت المسيحية هى الجاذب لكل إحباطات شعوب الإمبراطورية وأخطاء حكامها وكانت تحمّل كل ما يصيب الإمبراطورية من نتائج أفعال وأمراض ليس لها ذنب فيها. فتوالت الاضطهادات للديانة الجديدة حتى زمن قسطنطين.
اتبع الشعب حاكمه كسلًا وأصبح تحت رحمة أفكاره وسياساته اعتقادا منه أن هذا أفضل السبل لحماية النظام, ومع الاضطراب السياسي وتوالي الحكام , ليس على أساس من الشرعية بل اغتصابا أو رشوة, لم يعد هناك مرجعية من سلطة يرضى عنها الشعب أو حكم الشعب من خلال مؤسساته. فتوالى على حكم الإمبراطورية الحكام الضعاف الذين لم يعودوا يملكون صفات القيادة أو الكفاءة بل القدرة على الرشوة والمكائد ولذلك لم تعاني ديانة المسيح من إحباطات شعب الإمبراطورية فقط بل من انعدام كفاءة حكامه أيضًا. فها هو (نيرون) في عهده تُحرق روما فلا يجد أقرب من أتباع المسيح ليلقي اللوم عليهم بأنهم السبب في هذا الحريق لتبدأ على يديه سلسلة الاضطهادات. في هذا الاضطهاد الأول قتل بطرس وبولس واستمر أربع سنوات (64 - 68م) .