الصفحة 43 من 372

يبقى سؤال من الذي تحمل هذه الإضطهادات؟ النصرانية أم المسيحية وبتعبير آخر كنيسة أورشليم أم كنيسة الأمم أو بمعنى أدق أتباع بطرس أم أتباع بولس.

بنهاية القرن الأول انقسمت الكنيسة إلى مذهبين أساسيين وكنيستين منفصلتين وفكرتين على طرفي النقيض بل في حالة عداء. فمن منهما تلقى الاضطهاد أولًا [إن المسيحية كعقيدة لم تجذب انتباه السلطات الرومانية, بل كان ينظر إليها من جانب الإدارة الرومانية على أنها فرقة يهودية جديدة تضاف إلى جوار الفرق الأخرى, هذا بالإضافة إلى أن اليهود بصفة عامة بعد الثورات التي قاموا بها على عهود الأباطرة فسباسيانوس (69 - 79م) وتراجان (115 - 116م) , وقد شملت هذه الثورة الأخيرة مناطق عدة من الإمبراطورية خاصة في برقة ومصر وقبرص وأرض الجزيرة, وكن الإمبراطور هادريان أخمد هذا التمرد الخطير بلا هوادة, وأصدر في سنة 131م مرسوما يحرّم عليهم الختان أو الاحتفال بأي عيد من أعيادهم أو إقامة أي طقس من الطقوس علانية, وفرضت ضريبة جديدة وباهظة, وحرم عليهم دخول أورشليم إلا في يوم واحد فقط من العام, يسمح لهم فيه بالمجئ للبكاء أمام خرائب الهيكل أو حائط المبكى, ومن ثم لم تكن هناك علاقات مباشرة وصريحة ين الإدارة الرومانية والكنيسة المسيحية ورعاياها إلا من خلا اليهودية, وهذا واضح تمامًا من خلال الخطابات المتبادلة بين الأباطرة الرومان في القرن الثاني وعمالهم في الأقاليم فيما يتعلق بمعاملة المسيحيين, أو هذه الطائفة المنشقة من اليهودية حسب اعتقادهم. وقد مضى وقت طويل حتى تنبهت السلطات الرومانية إلى أن الكنيسة المسيحية تشكل كيانًا مستقلًا عن السنهدرين اليهودي, وأن اليهود يكنّون لهذه العقيدة وأتباعها عداءً كبيرًا, إضافة إلى سلوك المسيحيين أنفسهم تجاه الرومان الوثنيين والأوامر الإمبراطورية الخاصة بالواجبات الإلزامية الشرفية حسب التقليد الروماني, والامتناع عن الحرب تحت لواء النسر الروماني, وعبادة الجالس على العرش وتقديس الربة (روما) . وكان يسري على مصر بالطبع ما يسري على أنحاء الإمبراطورية, بل أن مصر كانت معاناتها أشد وأنكى باعتبارها قبو الحنطة لروما أو سلة الغذاء] [1] .

كانت هذه المرحلة الانتقالية بين كنيسة أورشليم التي تعتبر جزء من اليهودية وكنيسة الأمم المستقلة, فرغم انفصال الكنيستين كان لازال الحضور القوي لكنيسة أورشليم فكانت الأكثر ظهورًا وفي الصدارة كممثلة لدعوة المسيح وهذا كلفها الكثير. فلم تتحمل إحباطات الرومان بل تحملت طموحات اليهود الخرقاء وأخطاءهم. فبعد اضطهاد نيرون لها بسبب انتسابها لديانة المسيح تحملت الاضطهاد مع اليهود بسبب الثورة التي قاموا بها عام 70م, ونتج عنها تدمير أورشليم وحرق الهيكل كجزء محسوب على اليهودية. وظلت كنيسة أورشليم أو النصرانية طوال قرنين تتحمل اضطهاد الإمبراطورية وعداء اليهود وأفكار كنيسة الأمم الوثنية حتى سقطت مثخنة الجراح غير قادرة على المقاومة وما لبث أن لفظت أنفاسها وخرجت من التاريخ.

في هذا الوقت لم يكن أحد يعير كنيسة الأمم أو المسيحية أي اهتمام فقد كانت شبح لا جسد له (لم يشعر معاصرو بولس بأثره في التّو والساعة, لأن الجماعات التي أنشأها كانت أشبه بجزائر صغرى في بحر الوثنية الواسع الضخم, ولأن كنيسة روما كانت من صنع بطرس وبقيت وفية لذكراه, ومن أجل هذا ظل بولس مائة عام كاملة بعد موته لا يكاد يذكره إنسان. فلما انقضت الأجيال الأولى من المسيحيين, وأخذت أحاديث الرسل الشفهية تضعف ذكراها في الأذهان, وأخذ العقل المسيحي يضطرب بمئات من عقائد الزيغ والضلال, لمّا حدث هذا أضحت رسائل بولس إطارًا لمجموعة من العقائد أضفت على الجماعات المتفرقة اتزانا وألّفت منها كنيسة واحدة قوية) [2] .

هكذا كانت النصرانية كالدرع الذي يتلقى الضربات, فمع تمركز اليهود في أورشليم وجاذبية شرق البحر المتوسط الحضارية ظلت هى في البؤرة ولم يشع أحد بمسيحية بولس فكانت تنمو كالبراعم الصغيرة بعيدة عن الانتباه, فلما تم تدمير أورشليم وحرق الهيكل وتشتت أتباع كنيسة أورشليم وتلقيها الضربات من الإمبراطورية وبدء اندثارها. كانت مسيحية بولس أو كنيسة الأمم قد اشتد عودها وصلب قوامها وأصبحت قادرة على تلقي الضربات. هذا التطور لم يحدث بين ليلة وضحاها فبعيدًا في غرب المتوسط في أوربا وشمال أفريقيا بدأت المسيحية تجتذب إليها أولًا أفراد هامين [كسبت الكنيسة طائفة من المؤيدين كانوا أحصف عقول الإمبراطورية منهم (أغناثيوس) أسقف أنطاكية الذي أنشأ أسرة قوية من (الآباء) جاءوا بعد الرسل, ووهبوا المسيحية فلسفة غلبوا أعدائها بحججها القوية ومنهم (جستين) الذي حُكم عليه بأن يُلقى للوحوش

(1) الفكر الصري في العصر المسيحي - د. رأفت عبد الحميد.

(2) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت