فهرس الكتاب
لأنه أبى أن يرتد عن دينه, فكتب - وهو في طريقه إلى روما - عددًا من الرسائل تفيض إخلاصًا وحماسًا, وتكشف عن الروح التي كان المسيحيون يلقون بها الموت] [1] .
ورغم الصعاب التي واجهتها يبقى أن مسيحية الأمم وجدت في غرب المتوسط رحابًا واسعة تنمو فيها لم تتوفر لكنيسة أورشليم في شرقه[وكتب (كودراتس, وأبثينا جورس) وكثيرون غيرهما (دفاعًا) عن المسيحية وكانوا يوجهون هذا الدفاع عادة إلى الإمبراطور, وكتب (منوسيوس فلكس) حوارًا رائعًا يكاد يضارع كتاب شيشرون في بلاغته أجاز في (لكاسيليوس) إيجازا قويًا, ولكنه جعل (اكتافيوس) يرد عليه بأدب جم كاد يقنع (كاسيليوس) بأن يعتنق المسيحية ولما جاء (جستين ألسامري) إلى رومه في عهد (أنطونينس) افتتح فيها مدرسة لتعليم الفلسفة المسيحية, وحاول في دفاعين بليغين أن يقنع الإمبراطور (فرسمس) الفيلسوف بأن المسيحيين مواطنون مخلصون, لا يتوانون عن أداء الضرائب, وإنهم إذا عوملوا معاملة الأصدقاء قد يصبحون عونًا عظيم القيمة للدولة, وظل عدة سنين ينشر تعاليمه دون أن يصاب بأذى, ولكن حدة لسانه خلقت له أعداء, ولهذا استطاع أحد الفلاسفة المنافسين له أن يغري ولاة الأمور في عام 166م بالقبض عليه هو وستة من أتباعه وإعدامهم على بكرة أبيهم. وبعد ست سنين من ذلك قام (إيرينيوس) أقف ليون بحملة قوية يدعو فيها إلى وحدة الكنيسة, وذلك في كتابه المسمى معارضة الإلحاد. وقد قال (إيرينيوس) إنه لا سبيل إلى منع المسيحية أن تتفرق فتصبح ألف شيعة وشيعة إلا أن يرضى المسيحيون بالخضوع لسلطة واحدة تحدد لهم مبادئ دينهم, وتلك السلطة هى قرارات مجالس الكنيسة الأسقفية.
وكان أجرأ المدافعين عن المسيحية في تلك الفترة هو (كونتس سبتميوس ترتليانس) القرطاجني وكان مولده في تلك المدينة حوالي 160م, وكان والده قائدًا رومانيًا على مائة, ولما شب درس البلاغة في نفس المدرسة التي تعلم فيها (أيوليوس) ثم اشتغل بالمحاماة عامًا واحدًا في رومه. واعتنق المسيحية في كهولته وتزوج بمسيحية, ونبذ كل اللذائذ الوثنية ورسم قسًا (كما يقول جيروم) . فلما تم هذا استخدم جميع الفنون والأساليب, التي عادت عليه من تعلم البلاغة للدفاع عن الدين المسيحي, وضم إليها حماسة الرجل المؤمن المهتدي إلى دينه. لقد كانت المسيحية اليونانية فلسفة لاهوتية صوفية, فلما اعتنق (ترتليان) دينه الجديد جعل المسيحية اللاتينية أخلاقية, قانونية, عملية. وكانت له قوة (شيشرون) وحدّته, وفحش (جوفنال) في هجائه وسفاهته, وكان في مقدوره أحيانًا أن ينافس (تيطس) في تركيز كل ما لديه من حقد وضغينة في عبارة واحدة. وكان (إيرينوس) قد كتب باللغة اليونانية, فلما جاء (منوسيوس) و (ترتليان) أصبحت الآداب المسيحية في الغرب لاتينية, وأصبح الأدب اللاتيني مسيحيًا.
وبينما كان الحكام الرومان في قرطاجنة يتهمون المسيحيين بعدم الولاء للدولة ويحاكمونهم على هذه التهمة, وجّه (ترتليان) في عام 197م إلى محكمة خيالية أبلغ رسالة من رسائله كلها وهى المعروفة باسم (الدفاع) , أكد فيها للرومان أن المسيحيين (لا ينقطعون عن الدعاء لجميع الأباطرة, وسلامة الأسرة الحاكمة ويطلبون إلى الله أن يهب البلاد جيوشًا باسلة, ومجلس شيوخ وفيّ وأمين وأن يمن على العالم بالهدوء) . وامتدح عظمة التوحيد, وقال إنه وجد أدلة عليه عند كُتّاب ما قبل المسيحية! (انظروا إلى ما تشهد به النفس, ذاتها وهى بفطرتها مسيحية) . وبعد عام من ذلك الوقت انتقل بسرعة عجيبة من الدفاع المقنّع إلى الهجوم العنيف, وأصدر كتابه المسمى (في المسرح) وهو وصف ساخر للمسارح الرومانية التي قال عنها أنها حصون البذاءة, وللمدرجات التي وصفها بأنها أكبر دليل على قسوة الإنسان على أخيه الإنسان] [2] .
رغم كل هذه المجهودات الضخمة التي قام بها رجال أقوياء في الغرب وجعلت المسيحية تتقدم على النصرانية وتأخذ الصدارة منها إلا أنها ظلت ذات تأثير محدود بسبب الفردية وعدم قدرتها مواجهة التأثير القوي المتوارث لفكر ذلك الزمان [كانت الأديان القديمة لا تزال هى أديان الكثرة الغالبة من سكان الإمبراطورية, فأما اليهودية فقد ضمت في مجامعها المتفرقة المطرودين من أتباعها بعد أن عضهم الفقر بنابه, وأخذت تنفس عن تقواها بترتيل التلمود, وظل السوريون يعبدون (بعل) وإن أسموه بأسماء يونانية, كما ظل الكهنة المصريون قائمين على خدمة ألهتهم الحيوانية الكثيرة بإخلاص وولاء, واحتفظت (سيبيل) , و (إيزيس) , و (متراس) بأتباعها إلى آخر القرن الرابع, واستحوذت مثراسية جديدة على الدولة الرومانية في عهد أورليان, واستمرت النذور والقرابين ترسل إلى آلهة الرومان القديمة في هياكلها, وظل المبتدئون والطلاب يرحلون إلى (اليوزيا) والمواطنون الذين يتطلعون إلى المراكز العليا في الدولة يؤدون مناسك دين الأباطرة في مختلف أنحائها, لكن هذه الأديان القديمة فقدت حيويتها, ولم تعد تثير في الناس ذلك الإخلاص القلبي الذي يبعث الحياة في الدين اللهم إلا في أماكن قليلة متفرقة, ولم يكن
(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.
(2) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.