الصفحة 45 من 372

سبب هذا الضعف أن اليونان والرومان قد تركوا أديانهم التي كانت في يوم من الأيام إما جميلة محببة أو قوية صارمة, بل كان سببه أنهم فقدوا إرادة الحياة, وعمدوا إلى الإسراف في تحديد النسل إلى أبعد الحدود, أو إنهاك الجسم, أو الحروب المدمرة, فقلّ عددهم إلى الحد الذي أفقد الهياكل عبّادها في الوقت الذي فقدت فيه الأرض زرّاعها] [1] .

كان لزامًا على مسيحية بولس أن تنتهز الفرصة وتحاول ملء هذا الفراغ فبقائها في الغرب سيكون كمن يحرث في البحر لأن شرق البحر المتوسط - في هذا الوقت - هو الجزء الحضاري من الإمبراطورية الذي يؤثر في مسارها وبالتالي مسار العالم أجمع وقد جاءت اللحظة التي كانت تنتظرها بعد سقط أعدائها واختفوا الواحد بعد الآخر فقد تشتت اليهود بعد هدم أورشليم وحرق الهيكل وكنيسة أورشليم تلفظ أنفسها الأخيرة والطريق ممهد إلى الانتقال الشرق حيث المدنية والفكر مركز التأثير في العالم فهل تنتهز الفرصة [أما في مصر فقد كان نماء الكنيسة أبطأ منه في قرطاجنة, وقد اختفت مراحله الأولى من التاريخ فأصبحنا لا نعرف عنها شيئًا. غير أننا نسمع فجاءة في أواخر القرن الثاني عن مدرسة لتعليم أصول الدين بالسؤال والجواب قائمة في مدينة الإسكندرية. قرنت المسيحية بالفلسفة اليونانية وأخرجت للعالم أبوين من أعظم أباء الكنيسة هما كلمنت وأرجن, وكان كلاهما واسع الإطلاع على الآداب الوثنية, محبًا لها على طريقته الخاصة. ولو أن الروح التي كانت تعرهما سادت في ذلك الوقت, لما كان لانفصال الثقافة القديمة عن المسيحية ما كان له من أثر متلف شديد] [2] .

استقرت سفينة مسيحية الأمم ورست على شواطئ مصر في الإسكندرية. لماذا اختارتها دون غيرها. كان هذا له أسبابه فالقسطنطينية لم تكن قد أنشئت بعد وكانت روما الوثنية هى أكبر عدو للمسيحية ودماء بطرس وبولس لم تجف بعد فكانت الإسكندرية هى الأنسب لوضعها المميز في الإمبراطورية[لأكثر من ستة قرون, كانت الإسكندرية ثاني مدينة في العالم القديم بعد روما وقد أسسها لإسكندر الأكبر في سنة 332 ق. م. وكانت في أول الأمر قاعدة بحرية هامة. فجذبت إليها كثيرًا من اليونانيين واليهود. ونشطت فيها الحركة العقلية نشاطًا ملحوظًا. وكانت مكتبتها أشهر مكتبات الإمبراطورية والتقى فيها الشرق بالغرب وفيها ترعرعت الفلسفة اليونانية وانتشرت الحضارة الهللينية بجوار الحضارة الفرعونية القديمة.

وتجاورت الجاليات اليهودية الكثيرة العدد بأصحاب الديانات الشرقية. فكانت أشبه بالعاصمة الدولية المشتركة للعالم القديم. ومنها ترجمت أسفار العهد القديم إلى اللغة اليونانية في الترجمة المعروفة بالترجمة السبعينية التي قربت الوحي اليهودي إلى أذهان اليونانيين. وفيها حاول فيلون العالم اليهودي الشهير أن يوفق بين اليهودية والفلسفة الإغريقية. وأظهر التوافق بين التوراة والفلسفة. إذ أخذ يشرح التوراة بالأسلوب الرمزي. كما نشأت في الإسكندرية الفلسفة الأفلاطونية الحديثة كما ظهرت المذاهب الغنوصية المختلفة (نظريات المعرفة) ] [3] .

قد تكون هذه الأسباب غير مقنعة للبعض لتجعل الإسكندرية هى مرسى سفينة كنيسة الأمم ولكن بالتعمق في أحوال المسيحية في تلك الفترة نجد أن الإسكندرية هى أكثر الأماكن موائمة لاحتضان المسيحية.

فمسيحية بولس في هذه الفترة لم تحتاج نفوذ أو أموال أو دعم السلطة والتي ستحوزها كلها بعد ذلك في عهد قسطنطين وسينتج عن هذا التحالف انتقال مركز قوة الكنيسة من الإسكندرية إلى القسطنطينية. أما في تلك الفترة فقد كانت تحتاج إلى سلطة الفكر والإسكندرية هى الوحيدة القادرة على تقديمها لها. فالمسيحية كانت في مرحلة فوضوية شديدة فهناك الكثير من الفرق التي استخدمت لاهوت بولس الوثني المكتسي بالقداسة الإلهية لإيجاد كثير من الأفكار والمذاهب الأكثر وثنية ووجد الآخرين الحرية في التفكير وتشكيل عقائد هلامية لا قوام فكري لها ولازالت برية غير محددة الملامح فأصبحت المسيحية جاذبة لكل من يريد أن يضع بصمته عليها, فتطلب الأمر منهج منظم للرد على الوثنيين بعد أن تصدرت مسيحية بولس المواجهة مع الوثنية بسبب اندثار كنيسة أورشليم ومحاولة تشكيل العقيدة في منهج ثابت تقبله العقول ذات الثقافة اليونانية في الإمبراطورية بعد أن أعطت ظهرها لأصولها اليهودية. لهذه الأسباب كانت الإسكندرية هى المؤهلة لتكون بمثابة قطب مغناطيسي

(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.

(2) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.

(3) تاريخ الأقباط الكاثوليك - موقع كنيسة الإسكندرية الكاثوليكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت